الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْحَرْبِ ، وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ الدِّمَاءُ} ، إنَّمَا يُؤْمَرُ بِالدُّعَاءِ إلَى اللَّهِ ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى ، وَالصَّفْحِ عَنْ الْجَاهِلِ [مُدَّةَ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ ، لِإِقَامَةِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ ، وَوَفَاءً بِوَعْدِهِ الَّذِي امْتَنَّ بِهِ بِفَضْلِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} فَاسْتَمَرَّ الطُّغْيَانُ وَمَا اسْتَدَلُّوا بِوَاضِحِ الْبُرْهَانِ] .
وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ اضْطَهَدَتْ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى فَتَنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ ، وَنَفَوْهُمْ عَنْ بِلَادِهِمْ ، فَهُمْ بَيْنَ مَفْتُونٍ فِي دِينِهِ ، وَمُعَذِّبٍ ، وَبَيْنَ هَارِبٍ فِي الْبِلَادِ مُغَرَّبٍ ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ إلَى الْمَدِينَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَبَرَ عَلَى الْأَذَى ، فَلَمَّا عَتَتْ قُرَيْشٌ عَلَى اللَّهِ ، وَرَدُّوا أَمْرَهُ وَكَرَامَتَهُ ، وَكَذَّبُوا نَبِيَّهُ ، وَعَذَّبُوا مَنْ آمَنَ بِهِ وَعَبَدَهُ وَوَحَّدَهُ ، وَصَدَّقَ نَبِيَّهُ ، وَاعْتَصَمَ بِدِينِهِ ، أَذِنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ فِي الْقِتَالِ وَالِامْتِنَاعِ وَالِانْتِصَارِ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ وَبَغَى عَلَيْهِمْ ؛ فَكَانَتْ أَوَّلُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ فِي إذْنِهِ لَهُ بِالْحَرْبِ وَإِحْلَالِهِ لَهُ الدِّمَاءَ: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} إلَى قَوْلِهِ: ("الْأُمُورِ") .