فهرس الكتاب
وما دام هناك حكومة ، فلا بُدَّ أن تسفر عن محكوم له ومحكوم عليه ، ويُوضِّحهما قوله تعالى: {فالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي جَنَّاتِ النعيم} [الحج: 56] .
وهؤلاء هم الفائزون الذين جاء الحكم في صالحهم .
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (57)
وهؤلاء هم الجبابرة وأصحاب السيادة في دنيا الكفر والعناد ، والذين حكم الله عليهم بالعذاب الذي يُهينهم بعد عِزَّتهم وسلطانهم في الدنيا ، وتلحظ أن العذاب يُوصَف مرة بأنه أليم ، ومرة بأنه عظيم ، ومرة بأنه مُهين .
فالعذاب الأليم الذي يُؤلم صاحبه ، لكنه قد يكون لفترة ثم ينتهي ، أما العذاب العظيم فهو الدائم ، والمهيمن هو الذي يُذِله ويدوس كرامته التي طالما اعتز بها . وأنت تجد الناس يختلفون في تقبُّل ألوان العذاب: فمنهم مَنْ لا يؤثر فيه الضرب الموجع ولا يحركه ، لكن تؤلمه كلمة تجرح عِزَّته وكرامته . لذلك جاء العذاب هكذا ألواناً ؛ ليستوعب كل صنوف الملَكات النفسية ، ويواجه كُلَّ نفس بما يؤلمها .
ثم تكلم الحق سبحانه عن أمر كان لا بُدَّ أن نعرفه ، فالمسلمون الأوائل في مكة أُخرِجوا من ديارهم وأبنائهم وأموالهم لأنهم قالوا: ربنا الله ، ولا شَكَّ أن للوطن وللأهل والبيئة التي نشأ فيها المرء أثراً في ملكات نفسه ، لا يمكن أنْ يُمحَى بحال ، فإنْ غاب عنه اشتاق إليه وتمنَّى العودة ، وكما يقول الشاعر:
بَلَدِي وَإنْ جَارَتْ عليَّ عَزيزَةٌ ... أَهْلِي وإنْ ضَنُّوا عليَّ كِرَامُ
لذلك ، فطالب العالم عندما يترك بلده إلى القاهرة يقولون: لا بُدَّ له أنْ يرجع ، ولو أن تعضَّه الأحداث والشدائد ، فيعود ليطلب من أهله العون والمساعدة ، أو حتى يعود إليها في نهاية المطاف ليدفنوه في تراب بلده .