فهرس الكتاب
لأن الرزق قد يكون حسناً لكنه لا يُرضِي صاحبه ، أما رزق الله لهؤلاء فقد بلغ رضاهم ، والرضا: هو اقتناع النفس بشيء تجد فيه متعة ، بحيث لا تستشرف إلى أعلى منه ، ولا تبغي أكثر من ذلك .
لذلك بعد أنْ ينعَم أهل الجنة بنعيمها ، مِمَّا لا عَيْنٌ رأتْ ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطر على قلب بشر ، بعدها يتجلَّى الحق - سبحانه - عليهم فيقول لعباده المؤمنين: يا عبادي أرضيتم؟ فيقولون: وكيف لا نرضى وقد أعطيْتنا ما لم تُعْطِ أحداً من العالمين؟ قال: ألا أعطيكم أفضل من هذا؟ قالوا: وهل شيء أفضل مما نحن فيه؟ قال: نعم ، أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً .
ومن ذلك قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى} [الضحى: 5] .
وقوله تعالى: {ياأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} [الفجر: 27 - 28] .
يبالغ في الرضا ، حيث يتعداك الرضا إلى أن تكون عيشتك نفسها راضية ، وكأنها تعشقك هي ، وترضى بك .
ثم يقول سبحانه: {وَإِنَّ الله لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} [الحج: 59] .
عليم: بما يستحقه كل إنسان عند الحساب من النعيم ، ثم يزيد مَنْ يشاء من فضله ، فليس حساب ربك في الآخرة كحسابكم في الدنيا ، إنما حسابُه تعالى بالفضل لا بالعدل .
وحليم: يحلم على العبد إنْ أساء ، ويتجاوز للصالحين عن الهَفَوات ، فإنْ خالط عملك الصالح سوء ، وإنْ خالفت منهج الله في غفلة أو هفوة ، فلا تجعل هذا يعكر صفو علاقتك بربك أو يُنغِّص عليك طمأنينة حياتك ؛ لأن ربك حليم سيتجاوز عن مثل هذا على حَدِّ قولهم (حبيبك يبلع لك الزلط) .
لذلك"لما وَشَى أحد المؤمنين للكفار في فتح مكة ، وهَمَّ عمر أن يقتله فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم".