فهرس الكتاب
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ، كَيْ يَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّةِ نَبِيِّهِ مِنَ الْبَاطِلِ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى» [1] .
{فِتْنَةً}
يَقُولُ: اخْتِبَارًا يَخْتَبِرُ بِهِ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مِنَ النِّفَاقِ؛ وَذَلِكَ الشَّكُّ فِي صِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَحَقِيقَةِ مَا يُخْبِرُهُمْ بِهِ.
عَنْ قَتَادَةَ:"أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَمَنَّى أَنْ لَا يَعِيبَ اللَّهُ آلِهَةَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ الْآلِهَةَ الَّتِي تَدَّعِي أَنَّ شَفَاعَتَهَا لَتُرْتَجَى وَإِنَّهَا لَلْغَرَانِيقُ الْعُلَى» . فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ، وَأَحْكَمَ اللَّهُ آيَاتِهِ: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} حَتَّى بَلَغَ: {مِنْ سُلْطَانٍ} قَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا أَلْقَى الشَّيْطَانُ مَا أَلْقَى قَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ فَفَرِحُوا بِذَلِكَ، فَذَكَرَ قَوْلُهُ: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} "
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}
يَقُولُ: «وَلِلَّذِينَ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، فَلَا تَلِينُ وَلَا تَرْعَوِي، وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ»
وَقَوْلُهُ: {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنَّ مُشْرِكِي قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ لَفِي خِلَافِ اللَّهِ فِي أَمْرِهِ، بَعِيدٍ مِنَ الْحَقِّ.
[1] تقدم رد هذا الزعم الباطل (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى(3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) .