ثم بعد ذلك {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ..} [غافر: 7] أي: أن هؤلاء الملائكة من ضمن مهمتهم أنهم يستغفرون للمؤمنين، كما حكى عنهم القرآن يقولون: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [غافر: 7] .
هذا من دعاء الملائكة للذين آمنوا، والدعاء عادة بـ (ربنا) محذوف الياء التي للنداء فلم يقُلْ: يا ربنا لأن النداء بالياء يدل على بُعْد المنادَى، أما الأبعد فيُنادى بأيا، والقريب يُنادى بالهمزة مثل: أمحمد.
أما الحق سبحانه وتعالى فهو من القرب بحيث لا نستخدم في ندائه أيَّ حرف من حروف النداء، لأنه أقربُ لعبده من حبل الوريد، لذلك نناديه سبحانه مباشرة (ربنا) ، ولك أنْ تستقرئ القرآن كله فلن تجد في ندائه سبحانه حرفاً من أحرف النداء.
حتى الكفار لما نادوا الحق سبحانه قالوا:
{اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ ..} [الأنفال: 32] ومعلوم أن الميم في آخر لفظ الجلالة هنا عِوَضٌ عن ياء النداء، فلم يقولوا: يا الله إنما قالوا: اللهم.
ثم يتابع الحق سبحانه ذكر دعاء الملائكة للذين آمنوا، فيقول:
{رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَّهُمْ ...} .
{رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}
معنى {جَنَّاتِ عَدْنٍ ..} [غافر: 8] أي: إقامة دائمة.
وتأمل ثمرة الإيمان بالله، ثمرة لا إله إلا الله، فلا يضر مع الإيمان معصية، فالملائكة في أعلى عليين يذكرونك وينشغلون بك أيها المؤمن، ويدعون لك لأنك آمنتَ بالله، وهذه تسلية لسيدنا رسول الله ولأمته الذين تحمَّلوا مشاقّ الدعوة ومَنْ تبعهم إلى يوم الدين.
فيا محمد إن كان كفار مكة قد وقفوا منك ومن أتباعك هذا الموقف المعاند فلا تحزن، ويكفيك وأمتك أنْ تستغفر لك الملائكة، وأيّ ملائكة؟ حملة العرش والذين يحيطون به.
وحين تقرأ هذا الدعاء من الملائكة تجد فيه إشارات ووقفات تستحق التأمل أولها أنك أيها المؤمن مذكورٌ بين حملة العرش، وأنت موضع اهتمامهم مع دُنُوِّ منزلتك وعُلُوِّ منزلتهم، هؤلاء الملائكة لا عملَ لهم إلا أن يسبحوا بحمد ربهم ويستغفروا للذين آمنوا.