أي: كذبت قوم نوح والأمم الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب، فحلت بهم نقمتنا بعد بلوغ أمدهم، كما هي سنتنا في أمثالهم من المكذبين، كعاد وثمود ومن بعدهم، وكانوا في جدلهم على مثل الذي عليه قومك. {وَهَمَّتْ} ؛ أي: قصدت وعزمت {كُلُّ أُمَّةٍ} من تلك الأمم المكذبة أن يوقعوا الشر {بِرَسُولِهِمْ} الذي أرسل إليهم، والهم كما سيأتي: تصميم القلب على فعل شيء قبل أن يفعل من خير أو شر، قال في"الأسئلة المقحمة": لم يقل: برسولها؛ لأنه أراد بالأمة هاهنا الرجال دون النساء، وبذلك فسروه، وقال في"عين المعاني": برسولهم تغليب للرجال {لِيَأْخُذُوهُ} ؛ أي: ليأسروه ويحبسوه فيعذبوه أو يقتلوه، من الأخذ بمعنى الأسر.
وفيه: إشارة إلى أن كل عصر يكون فيه صاحب ولاية لا بد له من أرباب الجحود والإنكار وأهل الاعتراض، كما كانوا في عهد كل نبي ورسول، وقال قتادة والسدي: ليقتلوه، والأخذ قد يرد بمعنى الإهلاك، كقوله تعالى: {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} والعرب تسمي الأسير الأخيذ.
وقرأ الجمهور: {بِرَسُولِهِمْ} ، وقرأ عبد الله: {برسولها} ، عاد الضمير إلى لفظ أمة.
والمعنى: أي وحرصت كل أمة على تعذيب رسولهم بحبسه وإصابة ما أرادوا منه {وَجَادَلُوا} ؛ أي: وخاصموا رسولهم {بِالْبَاطِلِ} من القول الذي لا أصل ولا حقيقة له أصلًا. قال في"فتح الرحمن": الباطل: ما كان فائت المعنى من كل وجه، مع وجود الصورة، إما لانعدام الأهلية، أو لانعدام المحلية، كبيع الخمر وبيع الصبي، انتهى. {لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} ؛ أي: ليزيلوا بذلك الباطل، الحق الذي لا محيد عنه، كما فعل هؤلاء المشركون من قومك؛ أي: وخاصموا رسولهم بالباطل، بإيراد الشبه التي لا حقيقة لها، كقولهم: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} ليبطلوا به الحق الذي جاء به من عند الله تعالى، وليطفئوا النور الذي أوتيه.