والثالث: يجوز أن يكون الوعد لهم بشرط الذي سألوه، واللَّه تعالى عالم في الأزل: أنه يوجد ذلك الشرط وهو سؤالهم؛ فيكون لهم ذلك الوعد، ومثل ذلك جائز، قال الله تعالى: (كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا) ، إنما يعذبهم بسؤال هَؤُلَاءِ على ذلك كان: إنما تقديره: أنه لا يعذبهم إذا سألوا، وعلم أنهم سألوا؛ وعلى ذلك الحديث الوارد: أن الصدقة تزيد في العمر، جرى تقديره في الأزل أنه يوجد منه الصدقة، فيكون عمره زائدًا؛ على ما لو علم أنه لا يتصدق، وإنما لا يجوز التعليق بالشرط في حق اللَّه تعالى على نحو ما يكون في حق العباد أن يوجد عند وجود الشرط، ولا يوجد عند عدمه، ولا علم لهم بعاقبة ذلك، واللَّه تعالى عالم بالعواقب، فمتى علق بشرط كان ذلك منه في الأزل حكما على أن يوجد مع ذلك الشرط لا محالة، لما علم وجود ذلك الشرط مع علمه أنه لو لم يكن ذلك الشرط كيف كان، واللَّه الموفق.
أما ظاهر الآية أنه إذا وعدها لهم، لأدخلها لا محالة فيها؛ فلا معنى للسؤال في ذلك لما يخرج السؤال في مثله مخرج السؤال في تصديق الوعد والامتناع عن الخلف، ولكن الآية تخرج على الوجوه التي ذكرنا.
وقوله: (وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ...) الآية.
سألوه أيضًا إدخال هَؤُلَاءِ في ذلك الوعد أيضًا على ما ذكرنا.
وقوله: (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ...(9)
هذا يحتمل أنهم سألوا أن يقيهم في الآخرة أمورًا تسوءهم من الأهوال والأفزاع، وغير ذلك من العذاب.
ويحتمل في الدنيا أمر الشرك وغيره؛ يدل عليه قوله: (وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ) . أي: ومن تق السيئات في الدنيا، فقد رحمته يومئذ (وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) .
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ(10)