واعلم أن الموجودات على ثلاثة أقسام: مؤثر لا يقبل الأثر ، وهو الله سبحانه وتعالى وهو أشرف الأقسام ، ومتأثر لا يؤثر ، وهو القابل وهو الجسم وهو أخس الأقسام ، وموجود يقبل الأثر من القسم الأول ، ويؤثر في القسم الثاني وهو الجواهر الروحانيات المقدسة ، وهو المرتبة المتوسطة ، إذا عرفت هذا فنقول الجواهر الروحانية لها تعلقان: تعلق بعالم الجلال والكبرياء ، وهو تعلق القبول ، فإن الجلايا القدسية والأضواء الصمدية إذا أشرقت على الجواهر الروحانية استضاءت جواهرها وأشرقت ماهياتها ، ثم إن الجواهر الروحانية إذا استفادت تلك القوى الروحانية ، قويت بها على الاستيلاء على عوالم الجسمانيات ، وإذا كان كذلك فلها وجهان: وجه إلى جانب الكبرياء وحضرة الجلال ، ووجه إلى عالم الأجسام والوجه الأول أشرف من الثاني.
إذا عرفت هذا فنقول:
قوله تعالى: {يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ} إشارة إلى الوجه الذي لهم إلى عالم الجلال والكبرياء ، وقوله {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض} إشارة إلى الوجه الذي لهم إلى عالم الأجسام ، فما أحسن هذه اللطائف وما أشرفها وما أشد تأثيرها في جذب الأرواح من حضيض الخلق إلى أوج معرفة الحق ، إذا عرفت هذا فنقول: أما الجهة الأولى وهي الجهة العلوية المقدسة ، فقد اشتملت على أمرين: أحدهما: التسبيح ، وثانيهما: التحميد ، لأن قوله {يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ} يفيد هذين الأمرين ، والتسبيح مقدم على التحميد ، لأن التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي ، والتحميد عبارة عن وصفه بكونه مفيضاً لكل الخيرات وكونه منزّهاً في ذاته عما لا ينبغي ، مقدم بالرتبة على كونه فياضاً للخيرات والسعادات ، لأن وجود الشيء مقدم على إيجاد غيره ، وحصوله في نفسه مقدم على تأثيره في حصول غيره ، فلهذا السبب كان التسبيح مقدماً على التحميد ، ولهذا قال: {يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ} .