قوله: {جَمِيعاً مِّنْهُ} :"جميعاً"حالٌ مِنْ {مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} أو توكيدٌ . وقد عدَّها ابنُ مالكٍ في ألفاظِه . و"منه"يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ صفةً ل"جميعاً"، وأَنْ يتعلَّقَ ب"سَخَّر"أي: هو صادرٌ مِنْ جهته ومِنْ عندِه . وجَوَّزَ الزمخشريُّ في"منه"أَنْ يكونَ خبرَ ابتداءٍ مضمرٍ أي: هي جميعاً منه ، وأَنْ تكونَ {وَمَا فِي الأرض} مبتدأً ، و"منه"خبرَه . قال الشيخ:"وهذان لا يجوزان إلاَّ على رَأْيِ الأخفش مِنْ حيث إنَّ الحالَ تَقدَّمَتْ بمعنى جميعاً ، فقُدِّمَتْ على عاملِها المعنويِّ ، يعني الجارَّ ، فهي نظيرُ:"زيد قائماً في الدار". والعامَّةُ على"مِنْه"جارّاً ومجروراً . [وقرأ] ابن عباس بكسرِ الميمِ وتشديدِ النونِ ونصبِ التاءِ ، جعله مصدراً مِنْ: مَنَّ يَمُنَّ مِنَّةً ، فانتصابُه عنده على المصدرِ المؤكِّد: إمَّا بعاملٍ مضمرٍ ، وإمَّا بسَخَّر ؛ لأنَّه بمعناه . قال أبو حاتم:"سَندُ هذه القراءةِ إلى ابنِ عباسِ مظلمٌ". قلت: قد رُوِيَتْ أيضاً عن جماعة جِلَّةٍ غيرِ ابنِ عباس ، فنقلها ابنُ خالويه عنه وعن عبيد بن عمير ، ونقلها صاحبُ"اللوامح"وابنُ جني ، عن ابن عباس وعبد الله بن عمرو والجحدري وعبد الله بن عبيد بن عمير ."
وقرأ مَسْلمة بن محارب كذلك ، إلاَّ أنَّه رفع التاءَ جَعَلَها خبرَ ابتداءٍ مضمرٍ أي: هي منه . وقرأ أيضاً في روايةٍ أخرى بفتحِ الميم وتشديدِ النون وهاءِ كنايةٍ مضمومة ، جعله مصدراً مضافاً لضمير الله تعالى .
ورَفْعُه من وجهين ، أحدهما بالفاعلية ب"سَخَّر"أي: سَخَّر لكم هذه الأشياءَ مَنُّه عليكم . والثاني: أَنْ يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: هو ، أو ذلك مَنُّه عليكم .
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)