وأخرج ابن المنذر عن عون بن أبي شداد قال: كانت لعمر بن الخطاب أمة أسلمت قبله يقال لها (زنّين) أو (زنّيرة) فكان عمر يضربها على إسلامها حتى يفتر، وكان كفار قريش يقولون: لو كان خيرا ما سبقتنا إليه زنين، فأنزل اللَّه في شأنها: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا: لَوْ كانَ خَيْراً الآية.
وقال عروة بن الزبير: إن زنّيرة- رومية كان أبو جهل يعذبها- أسلمت، فأصيب بصرها، فقالوا لها: أصابك اللات والعزّى، فرد اللَّه عليها بصرها، فقال عظماء قريش: لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا إليه زنّيرة، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية.
وقال ابن عباس والكلبي والزجاج: إن الذين كفروا هم بنو عامر وغطفان وتميم وأسد وحنظلة وأشجع، قالوا لمن أسلم من غفار وأسلم وجهينة ومزينة وخزاعة: لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا إليه رعاة البهم، إذ نحن أعزّ منهم.
وقال أكثر المفسرين: إن الذين كفروا من اليهود قالوا للذين آمنوا- يعني عبد اللَّه بن سلام وأصحابه-: لو كان دين محمد حقا ما سبقونا إليه.
المناسبة:
هذه شبهة أخرى للقوم: المشركين أو اليهود، في إنكار نبوة محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم،
تتعلق بإيمان جماعة من الفقراء كعمّار وصهيب وابن مسعود، فقالوا: لو كان هذا الدين خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء. ثم رد اللَّه تعالى عليهم بأن التوراة دلت على صدق القرآن، وبشرت ببعثة محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم.
وبعد تقرير دلائل التوحيد والنبوة وذكر شبهات المنكرين والإجابة عنها، ذكر تعالى جزاء المؤمنين العاملين عملا صالحا، طبقا لما جاء به القرآن المجيد.
التفسير والبيان:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا: لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ أي قال كفار مكة أو اليهود لأجل إيمان بعض الفقراء والمستضعفين، كبلال وعمار وصهيب وخباب ونحوهم رضي اللَّه عنهم: لو كان هذا الدين حقا وكان ما جاء به محمد من القرآن والنبوة خيرا ما سبقونا إلى الإيمان به، ظنا منهم أنهم سبّاقون إلى المكارم، وأن لهم وجاهة عند اللَّه، وله بهم عناية.