وهذه الآية نازلة في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، روى ذلك الكلبي وعطاء عن ابن عباس. وهو قول مقاتل واختيار صاحب النظم قال: لأن الله تعالى قد وَقَّتَ الحمل والفصال هاهنا بتوقيت يعلم أنه قد ينقص ويزيد لاختلاف الناس في الولادة، فدل هذا على أنه مقصود به إنسان بعينه كان حمله وفصاله ثلاثين شهرًا، فيمكن أن يكون أبو بكر كان حمله وفصاله هذا القدر، ويدل على ما ذكرنا قوله: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} ، إلى آخر الآية، وقد علمنا أن كثيرًا ممن بلغ هذا المبلغ من المؤمنين وغيرهم لم يكن منه هذا القول، فثبت بذلك أن هذا في إنسان بعينه وهو الصديق رضي الله عنه، والآية من باب حذف المضاف لأن التقدير: ومدة حمله وفصاله ثلاثون شهرًا.
قال الأزهري المعنى: ومَدَى الحَمْل للمرأة منتهى الوقت الذي يفصل فيه الولد عن رضاعه ثلاثون شهرًا، والكلام في معنى الفصال قد تقدم في سورة البقرة [آية: 123] .
قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} اختلفوا في معنى بلوغ الأشد هاهنا فروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد ثمان عشرة سنة، وذلك أن أبا بكر صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ثمان عشرة سنة والنبي - صلى الله عليه وسلم - ابن عشرين سنة وهم يريدون الشام في التجارة فنزلوا منزلا فيه سدرة فقعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله من الدين فقال له: مَنْ الرجل الذي في ظل السدرة؟ فقال: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: هذا والله نبي، وما استظل تحتها أحد بعد عيسى بن مريم إلا محمد نبي الله، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، وكان لا يكاد يفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أسفاره وحضوره فلما نبئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن أربعين سنة وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة فأسلم وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما بلغ أربعين سنة قال: {رَبِّ أَوْزِعْنِي} الآية.