فنحن نجني ثمرة العمل الصالح ونسعد به في دنيانا، ومع ذلك يثيبنا الله عليه بثواب الآخرة دون أنْ يعود منه شيء على الله تعالى، ودونَ أنْ ينتفع منه بشيْ. إذن: دخول الجنة زيادة وتفضّل من الله.
وقوله: {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأحقاف: 14] فيه لفتة: ما هو العمل؟ العمل انفعال الجارحة لمهمتها، فاليد تتحرك واللسان ينطق والعين ترى وهكذا، لكن لو تأملتَ العمل تجده على قسمين: قول وفعل، فأخذ اللسانُ وحده شطر العمل، وأخذتْ باقي الجوارح الشطر الآخر؛ ولذلك: يقولون، ويفعلون؛ ولأن بالقول بلاغ المنهج الذي تنفعل له الجوارح طاعة أو معصية.
{وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}
قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ ..} [الأحقاف: 15] أمرناه بذلك وألزمناه به، والوصية أن تطلب ممَّنْ توصيه عملاً خيَِّراً يفيده في حياته وآخرته، ويعينه على آداء مهمته، لذلك تجد معظم الوصايا بالأمور المهمة تأتي في أخريات العمر، وكأنه يقول لأهله ولمن يوصيه: الحقوا خذوا مني نتيجة تجاربي في الحياة.
وهذه المادة أتت في القرآن بلفظ: وصَّى وأوصى. وصى تفيد تكرار الفعل، كما في قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ ..} [الأحقاف: 15] وفي قوله تعالى:
{وَوَصَّى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ..} [البقرة: 132] .
أما أوصى فهي للتعدية، كما في قوله تعالى على لسان المسيح عليه السلام:
{وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} [مريم: 31] فهي مثل أنزل ونزَّل، وأنزل أي مرة واحدة، ونزَّل يعني تباعاً.
وكلمة {الإِنسَانَ ..} [الأحقاف: 15] وهو الموصَّى تفيد الإطلاق والعموم أي الإنسان على إطلاقه من آدم إلى قيام الساعة في اسم جنس تقابل في الخلق المختار كلمة الجن، نقول: الإنس والجن، الإنس يعني الإنسان من الأُنس. يعني: يأنس بعضنا إلى بعض.