وقوله سبحانه: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ .. } [الأحقاف: 15] هذا طور آخر من أطوار الحياة هو طور البلوغ {بَلَغَ أَشُدَّهُ .. } [الأحقاف: 15] أي: بلغ الغاية في اكتمال الجسم والقوة والعقل.
ومن ذلك قوله تعالى في سيدنا يوسف:
{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلك نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 22] وقال في سيدنا موسى:
{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [القصص: 14] .
إذن: بلوغ الأشُدّ والاستواء واكتمال البدن والجسم والقوة واكتمال العقل هو بداية إلقاء الحكمة وهو بداية التكليف، فلو كلّف قبل البلوغ ثم طرأ عليه البلوغ ومرحلة المراهقة وما تفعله من تغيرات بالجسم ربما يقول العبد: لقد طرأ عليَّ تغيرات لم تكُنْ في بالي عند الإيمان بك؛ لذلك أجّل العملية كلها حتى سنِّ البلوغ، وهو منتهى النضج.
ومنتهى النضج في الإنسان أنْ يصيرَ قادراً على إنجاب مثله، كذلك الحال في الثمار مثلاً، قلنا: إن البطيخة لا تحلو للأكل إلا إذا استوى لُبُّها واسودَ بحيث إذا زرعْتَه يعطيك نباتاً جديداً، فإذا أكلتَ هذه ضمنت لك وجود غيرها.
لكن إذا حلت ولبُّها غير مُستو أكلتها ثم تزرع اللب فلا ينبت، إذاً هنا حكمة لبقاء النوع.
لذلك يقول تعالى:
{انْظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ .. } [الأنعام: 99] كلمة (ينعه) أنك تضمن أنْ تأتي بشجرة جديدة. كما أنك تلاحظ في الشجر المثمر أنك إذا لم تقطف الثمار تقع هي بطبيعتها.
ومن حكمة الخالق سبحانه وعجائب الخلق أنك في مرحلة النمو وقبل سِنِّ البلوغ تجد أن عملية النمو تتم بحساب وإعجاز محكم، فأشياء في الجسم تنمو ومثيلاتها في الجسم لا تنمو.
خذ مثلاً الشعر ينمو ونقصه من حين لآخر، أما شعر الحاجبين مثلاً والرموش فلا ينمو، كذلك العظام تنمو بنمو الطفل إلى أنْ يبلغ الأشُدّ، في حين أن الأسنان وهي أيضاً عظام تقف عند شكل معين ولا تنمو، ولو كانت تنمو كنمو باقي العظام لصارتْ مثل ناب الفيل.
إذن: المسألة ليستْ كما قلنا (ميكانيكا) إنما هي (هندسة) من مبدع هذا الكون سبحانه.