وأيَّاماً كان فقد أسلم عبد الرحمان قبل الفتح فلما أسلم جبّ إسلامُه ما قبله وخرج من الوعيد الذي في قوله: {أولئك الذين حق عليهم القول} الآية ، لأن ذلك وعيد وكل وعيد فإنما هو مقيد تحققه بأن يموت المتوعَّد به غير مؤمن وهذا معلوم بالضرورة من الشريعة.
وتلقب عند الأشاعرة بمسألة الموافاة ، على أنه قيل إن الإشارة بقوله: {أولئك} عائدة إلى {الأولين} من قوله: {ما هذا إلا أساطير الأولين} كما سيأتي.
وأفَ: اسم فعل بمعنى: أتضجَّر ، وتقدم الكلام عليه في سورة الإسراء وفي سورة الأنبياء ، وهو هنا مستعمل كناية عن أقل الأذى فيكون الذين يؤذون والديهم بأكثر من هذا أوغلُ في العقوق الشنيع وأحرى بالحكم بدلالة فحوى الخطاب على ما تقرر في قوله تعالى: {فلا تقل لهما أُفّ} في سورة الإسراء (23) .
وقرأ نافع وحفص عن عاصم أفَ بكسر الفاء منوناً.
وقرأه ابن كثير وابن عامر ويعقوب {أفَّ} بفتح الفاء غير منون.
وقرأه الباقون أفِّ بكسر الفاء غير منون ، وهي لغات ثلاث فيه.
واعلم أن في قوله تعالى: {والذي قال لوالديه أفّ لكما} مُحَسّنَ الاتزان فإنه بوزن مصراع من الرمل عَروضه محذوفة ، وضَربه محذوف ، وفيه الخبن والقبض ، ويزاد فيه الكف على قراءة غير نافع وحفص.
والاستفهام في {أتعدانِني أن أخرج} إنكار وتعجب.
والإخراج: البعث بعد الموت.
وجعلت جملة الحال وهي {وقد خلت القرون من قبلي} قيداً لمنتهى الإنكار ، أي كيف يكون ذلك في حال مُضيّ القرون.
والقرون: جمع قرن وهو الأمة التي تَقاربَ زمان حياتها ، وفي الحديث"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم"الحديث ، وقال تعالى: {أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القُرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً} [القصص: 78] .
والمعنى: أنه أحال أن يخرج هو من الأرض بعد الموت ، وقد مضت أمم كثيرة وطال عليها الزمن فلم يخرج منهم أحد.