قال الزمخشري هذا تعجب آخر من أمر آخر وهو الحشر الذي أشار إليه بقوله {أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ} [ق: 3] فعجبوا من كونه منذراً من وقوع الحشر ، ويدل عليه النظر في أول سورة ص حيث قال فيه {وَعَجِبُواْ أَن جَاءهُم مٌّنذِرٌ} [ص: 4] وقال: {أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَيْء عُجَابٌ} [ص: 5] ذكر تعجبهم من أمرين والظاهر أن قولهم {هذا شَيْء عَجِيبٌ} إشارة إلى مجيء المنذر لا إلى الحشر ويدل عليه وجوه الأول: هو أن هناك ذكر {إِنَّ هذا لَشَيْء عُجَابٌ} بعد الاستفهام الإنكاري فقال: {أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَيْء عُجَابٌ} وقال ههنا {هذا شَيْء عَجِيبٌ} ولم يكن ما يقع الإشارة إليه إلا مجيء المنذر.
ثم قالوا: {أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ} الثاني: ههنا وجد بعد الاستبعاد بالاستفهام أمر يؤدي معنى التعجب وهو قولهم {ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ} فإنه استبعاد وهو كالتعجب فلو كان التعجب أيضاً عائداً إليه لكان كالتكرار ، فإن قيل التكرار الصريح يلزم من جعل قولك {هذا شَيْء عَجِيبٌ} عائداً إلى مجيء المنذر ، فإن تعجبهم منه علم من قوله {عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ} فقوله {هذا شَيْء عَجِيبٌ} يكون تكراراً ، نقول ذلك ليس بتكرار بل هو تقرير ، وذلك لأنه لما قال: {بَلْ عَجِبُواْ} بصيغة الفعل وجاز أن يتعجب الإنسان مما لا يكون عجيباً كما قال تعالى: {أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله} [هود: 73] ويقال في العرف لا وجه لتعجبك مما ليس بعجب فكأنهم لما عجبوا قيل لهم لا معنى لفعلكم وعجبكم فقالوا {هذا شَيْء عَجِيبٌ} فكيف لا نعجب منه ، ويدل عليه أنه تعالى قال ههنا {فَقَالَ الكافرون} بحرف الفاء ، وقال في ص