فهرس الكتاب
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ... (11) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، لَا يَهْزَأْ قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ مِنْ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ {عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ}
يَقُولُ: الْمَهْزُوءُ مِنْهُمْ خَيْرٌ مِنَ الْهَازِئِينَ.
{وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ}
يَقُولُ: وَلَا يَهْزَأْ نِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ مِنْ نِسَاءٍ مُؤْمِنَاتٍ، عَسَى الْمَهْزُوءُ مِنْهُنَّ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنَ الْهَازِئَاتِ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السُّخْرِيَةِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ سُخْرِيَةُ الْغَنِيِّ مِنَ الْفَقِيرِ، نُهِيَ أَنْ يَسْخَرَ مِنَ الْفَقِيرِ لِفَقْرِهِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «لَا يَهْزَأْ قَوْمٌ بِقَوْمٍ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلٌ فَقِيرٌ غَنِيًّا، أَوْ فَقِيرًا، وَإِنْ تَفَضَّلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَلَا يَسْتَهْزِئْ بِهِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ نُهِيَ مِنَ اللَّهِ مِنْ سَتَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانَ أَنْ يَسْخَرَ مِمَّنْ كَشَفَ فِي الدُّنْيَا سَتَرَهُ مِنْهُمْ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"رُبَّمَا عَثَرَ عَلَى الْمَرْءِ عِنْدَ خَطِيئَتَهُ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ ظَهْرٌ عَلَى عَثْرَتَهُ هَذِهِ، وَسَتَرْتَ أَنْتَ عَلَى عَثْرَتِكَ، لَعَلَّ هَذِهِ الَّتِي ظَهَرَتْ خَيْرٌ لَهُ فِي الْآخِرَةِ عِنْدَ اللَّهِ، وَهَذِهِ الَّتِي سَتَرْتَ أَنْتَ عَلَيْهَا شَرٌّ لَكَ، مَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ مَا يَغْفِرُ لَكَ؛ قَالَ: فَنُهِيَ الرَّجُلُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: {لَا يَسْخَرُ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} وَقَالَ فِي النِّسَاءِ مِثْلِ ذَلِكَ"
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَمَّ بِنَهْيِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْ يَسْخَرَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ جَمِيعُ مَعَانِي السُّخْرِيَةِ، فَلَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَسْخَرَ مِنْ مُؤْمِنٍ لَا لِفَقْرِهِ، وَلَا لِذَنْبٍ رَكِبَهُ، وَلَا لِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ}