(فصل آخر: من روائع الأدب العربي)
(من لا يخدع لعقله)
قال الراغب الأصفهاني:
قال عمرو بن العاص: ما رأيت أحدا كلّم عمر رضي الله عنه إلا رحمته لأنه كان لا يخدع أحدا لفضله، ولا يخدعه أحد لفطنته. وقال أياس بن معاوية:
لست بخبّ ولا الخبّ يخدعني
وقيل لرجل: - فيك فطنة، فقال: ما ذنبي إذ خلقني الله عاقلا.
(مدح التثبّت)
قال الشعبيّ: أصاب متأمل أو كاد، وأخطأ مستعجل أو كاد. وقال عمرو بن العاص:
لا يزال المرء يجني من ثمرة العجلة الندامة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما دخل الرفق في شيء إلا زانة ولا الخرف إلا شأنه.
قال الشاعر:
لا تعجلنّ فربّما ... عجل الفتى في ما يضرّه
وقال الموسوي:
وشوكة ضغن ما انتقشت شباتها ... ذهابا بنفسي أن يقال عجول
المتوصّل إلى ذلك بالتثبّت إلى حين التبيّن
قال الله تعالى: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ)
وقيل: لوال: تأنّ فإن التأني من الوالي صدقة.
وغضب الرشيد على رجل فقال له جعفر: غضبت لله فأطع الله في غضبك بالوقوف إلى حال التبين كما غضبت له.
وقال الشعبيّ لعبد الملك: إنّك على إيقاع ما لم توقع أقدر منك على ردّ ما أوقعت.
فأخذ هذا المعنى شاعر، فقال:
فداويته بالحلم والمرء قادر ... على سهمه ما دام في يده السّهم
التثبّت في العقوبة نصف العفو
قال المتنبّي:
ترفّق أيّها المولى عليهم ... فإنّ الرفق بالجاني عتاب
نهي العافي عن التثريب
رضي بعض الملوك عن رجل ثم أخذ يوبّخه. فقال: إن رأيت أن لا تخدش وجه رضاك بالتثريب فافعل.
وقيل: ما عفا عن الذنب من قرّع به.
وقيل: العفو مع العذل أشد من الضرب على ذي العقل. فرّب قول أنفذ من صول وعفو أشد من انتقام، قال ابن نوقة:
إن كنت تعفو فاعف عفو مهنئ ... إحسانه إنّ الكريم وهوب
قل قول يوسف حين قال لإخوة ... جاؤه معتذرين لا تثريب
أو لا فعاقبني فليس بمنكر ... من مثلك التقويم والتأديب
وفيمن يعاقب ثم يعاتب، قال شاعر:
إذا عوقب الجاني على قدر جرمه ... فتعنيفه بعد العقاب من الرّبا
(الحثّ على التثبّت فيما يسمع من السعاية)