ومن لطائف ونكات العز بن عبد السلام:
سورة الحجرات (49)
قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} (49: 12) .
ليس المراد تحريم الظن إذ ليس فيه مفسدة، بل تحريم آثاره، وكذلك العداوة والبغضاء مجهولة، فكيف يصح تحريم المجهول؟
الجواب: أنه وإن كان مجهولاً من جهة اللفظ لكنه معلوم من جهة أخرى، وهي: أن الظن على قسمين: حسن وسيء. وكل واحد إما مطابق أو غير مطابق، فنحمله على الظن السيئ غير المطابق، إذ ليس في الأقسام الأربعة مناسب سواه فتكون هذه المناسبة معرفة لذلك المجهول.
سؤال: يلزم أن يأثم الحاكم إذا ظن قتل زيد غيره بشهادة الزور، وقتله وهو لا يعلم بكذبها. وأن نأثم إذا رأينا شخصًا ينزع ثوب آخر، فمنعناه من ذلك، وكان اللابس قد غصبها من المنتزع في نفس الأمر. وكذلك إذا رأينا شخصًا هم بقتل شخص آخر، فمنعناه من ذلك، وكان قد قتل أباه في نفس الأمر. فإنه قد ظهر أثر ظننا وهو ليس بمطابق، وكذلك الحاكم، مع أن هذه الصور كلها قويات.
والجواب: أن نغير الجواب فنقول: مقتضى الدليل أنه يحرم كل ظن سواء كان مطابقًا أو غير مطابق، كتحريم درهم من عشرة دراهم. وهو مجهول، فإن العشرة كلها تحرم بلا خلاف إلا ما دل الدليل على حله. فلا يقوم المكلف إلا على ما دل الدليل عنده على حل أثره. وقد تقدم أن الظن لا يؤثر في نفسه إذ لا يمكن المكلف دفعه عن نفسه ولا يقع التكليف إلا بالممكن. انتهى انتهى {فوائد في مشكل القرآن، للعز بن عبد السلام. ص/ 233 - 235} ...