ومن لطائف ونكات معاني القرآن وإعرابه للزجاج:
سُورَةُ الْحُجُرَاتِ
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ(2)
ومَعنى (كَجَهْرِ بَعْضِكُم لِبَعْضٍ) أي لا تنزلوه منزلةَ بعضكم من بعض.
فتقولوا: يا محمدِ خاطبوه بالنبوة، والسكينة والإِعظام.
وقوله: (أنْ تَحْبَط أعْمَالُكُمْ) معناه لا تفعلوا ذلك فتحبط أعمالكم.
والمعنى لئلا تحبط أعمالكم
فالمعنى معنى اللام في (أن) .
وهذه اللام لام الصيرورة وهي كاللام في قوله: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) والمعنى فالتقطه آل فرعَوْنَ
ليصير أمرهم إلى ذلك، لَا أنَّهمْ قصدوا أن يصير إلى ذلك.
ولكنه في المقدار فيما سبق من علم الله أن سبب الصير التقاطهم إياه، وكذلك لا ترْفَعُوا أصواتكم فيكون ذلك سبباً لأن تحبط أعمالكم (وَأنْتُمْ لَا تَشْعُرونَ) .
هذا إعلامٌ أن أمرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ينبغي أن يُجَلَّ وُيعَظَّمَ غايَة الإِجْلَالِ.
وأنه قد يُفعل الشيءُ مما لا يَشْعَرُ به من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون ذلك مُهلكاً لِفَاعِلِه أو لِقَائِله.
ولذلك قال بعض الفقهاء: من قال إن زِرَّ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وسخ يريد به - النقصَ منه وجب قتْلُه.
هذا مذهبُ مالِكٍ وأصْحَابه.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ...(12)
أمر اللَّه عزَّ وجل باجتناب كثير مِنَ الظن، وهو أن تظن بأهل الخير سوءاً إذا كنا نعلم أن الذي ظهر منه خير، فأمَّا أهل السوء والفسق فلنا أن نظن بهم مِثْلَ الذي ظهر منهم.