ومن لطائف ونكات تفسير البيضاوي:
سورة الحجرات
(فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(9)
(حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ) ترجع إلى حكمه أو ما أمر به، وإنما أطلق الفيء على الظل لرجوعه بعد نسخ الشمس، والغنيمة لرجوعها من الكفار إلى المسلمين.
(فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ) بفصل ما بينهما على ما حكم الله، وتقييد الإِصلاح بالعدل هاهنا لأنه مظنة الحيف من حيث إنه بعد المقاتلة.
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ...(10)
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) من حيث إنهم منتسبون إلى أصل واحد وهو الإِيمان الموجب للحياة الأبدية، وهو تعليل وتقرير للأمر بالإِصلاح ولذلك كرره مرتبًا عليه بالفاء فقال: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) ووضع الظاهر موضع الضمير مضافًا إلى المأمورين للمبالغة في التقرير والتخصيص، وخص الاثنين بالذكر لأنهما أقل من يقع بينهم الشقاق.
وقيل المراد بالأخوين الأوس والخزرج.
(أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ...(12)
تمثيل لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه مع مبالغات الاستفهام المقرر، وإسناد الفعل إلى أحد للتعميم وتعليق المحبة بما هو في غاية الكراهة، وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الإِنسان وجعل المأكول أخاً وميتًا وتعقيب ذلك بقوله: (فَكَرِهْتُمُوهُ) تقريرًا وتحقيقًا لذلك.
(قَالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ...(14)
(قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا) إذ الإِيمان تصديق مع ثقة وطمأنينة قلب، ولم يحصل لكم وإلا لما مننتم على الرسول عليه الصلاة والسلام بالإِسلام وترك المقاتلة كما دل عليه آخر السورة.
(وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا) فإن الإِسلام انقياد ودخول في السلم وإظهار الشهادتين وترك المحاربة، يشعر به وكان نظم الكلام أن يقول لا تقولوا آمنا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا، أو لم تؤمنوا ولكن أسلمتم فعدل منه إلى هذا النظم احترازًا من النهي عن القول بالإِيمان والجزم بإسلامهم، وقد فقد شرط اعتباره شرعًا. انتهى انتهى {تفسير البيضاوي} ...