[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
(فصل)
من اللطائف الرائقة والنكات الفائقة في السورة الكريمة:
قال الإمام فخر الدين الرازي:
سُورَةُ الْحُجُرَاتِ
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ(2)
فِيهِ فوائد:
الفائدة الْأَوَّلُ: مَا الْفَائِدَةُ فِي إِعَادَةِ النِّدَاءِ، وَمَا هَذَا النَّمَطُ مِنَ الْكَلَامَيْنِ عَلَى قَوْلِ الْقَائِلِ (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ) (ولا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ) ؟
نَقُولُ فِي إِعَادَةِ النِّدَاءِ فَوَائِدُ خَمْسَةٌ:
مِنْهَا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ بَيَانُ زِيَادَةِ الشَّفَقَةِ عَلَى الْمُسْتَرْشِدِ كَمَا فِي قَوْلِ لقمان لابنه (يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ) [لقمان: 13] (يَابُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ) [لقمان: 16] ، (يابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ) [لُقْمَانَ: 17] لِأَنَّ النِّدَاءَ لِتَنْبِيهِ الْمُنَادَى لِيُقْبِلَ عَلَى اسْتِمَاعِ الْكَلَامِ وَيَجْعَلَ بَالَهُ مِنْهُ، فَإِعَادَتُهُ تُفِيدُ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ الْمُخَاطَبَ ثَانِيًا غَيْرُ الْمُخَاطَبِ أَوَّلًا: فَإِنَّ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ يَا زَيْدُ افْعَلْ كَذَا وَقُلْ كَذَا يَا عَمْرُو، فَإِذَا أَعَادَهُ مَرَّةً أُخْرَى، وَقَالَ يَا زَيْدُ قُلْ كَذَا، يُعْلَمُ مِنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ أَنَّهُ هُوَ الْمُخَاطَبُ ثَانِيًا أَيْضًا.
وَمِنْهَا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَلَامَيْنِ مَقْصُودٌ، وَلَيْسَ الثَّانِي تَأْكِيدًا لِلْأَوَّلِ كَمَا تَقُولُ يَا زَيْدُ لَا تَنْطِقْ وَلَا تَتَكَلَّمْ إِلَّا بِالْحَقِّ فَإِنَّهُ لَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ يَا زَيْدُ لَا تَنْطِقْ يَا زَيْدُ لَا تَتَكَلَّمْ كَمَا يَحْسُنُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمَطْلُوبَيْنِ.
(إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ(4)