فصل فِي أسرار ترتيب سور القرآن
قال الإمام أبو جعفر ابن الزبير:
سورة الحجرات
لما وصف سبحانه عباده المصطفين من صحابة نبيه والمخصوصين بفضيلة
مشاهدته وكريم عشرته فقال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) .
فأثنى سبحانه عليهم وذكر وصفه تعالى لهم بذلك
في التوراة والإنجيل، وهذه خصيصة انفردوا بمزية تكريمها وجرت على واضح قوله تعالى:"كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" (آل عمران: 115) وشهدت لهم بعظيم المنزلة لديه، ناسب هذا طلبهم بتوفية الشعب الإيمانية (والجري قولا وفعلا وعملا ظاهرا وباطنا على أوضح عمل وأخلص نية، وتنزيههم عما وقع من قبلهم في مخاطبات أنبيائهم كقول بني إسرائيل:"يا موسى ادع لنا ربك"
إلى ما شهد من هذا الضرب بسوء حالهم فقال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ".... الآية"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ"إلى قوله"والله غفور رحيم"
فطولبوا بآداب تناسب عَليَّ إيمانهم وإن اغتفر بعضه لغيرهم ممن ليس في
درجتهم، وقد قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وكأن قد قيل لا تغفلوا ما منح لكم في التوراة والإنجيل فإنها درجة لم ينلها غيركم من الأمم فقابلوها بتنزيه أعمالكم عن أن يتوهم في ظواهرها أنها صدرت عن عدم اكتراث في الخطاب -
وسوء قصد في الجواب، وطابقوا بين بواطنكم وظواهركم، وليكن علنكم منبئا
بسليم سرائركم"إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى"
ثم عرفوا بسوء حال من عدل به عن هذه الصفة فقال تعالى:"إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ"
ثم أمروا بالتثبت عند نزعة شيطان أو تقول ذي بهتان"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... الآية"
ثم أمرهم تعالى بصلاح ذات بينهم والتعاون في ذلك بقتال الباغين وتحسين العشرة والتزام ما يثمر الحب والتودد الإيماني والتواضع، وأن الخير كله في التقوى"إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" (آية: 13)
وكل ذلك محذر لِعَلِيِّ صفاتهم التي وصفوا بها في خاتمة سورة الفتح. انتهى انتهى. {البرهان فِي تناسب سور القرآن صـ 311 - 313} .