فهرس الكتاب
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، وَلَا يَطْعَنُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ؛ وَقَالَ: {لَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} فَجَعَلَ اللَّامِزَ أَخَاهُ لَامِزًا نَفْسَهُ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ فِيمَا يَلْزَمُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مِنْ تَحْسِينِ أَمْرِهِ، وَطَلَبِ صَلَاحِهِ، وَمَحَبَّتِهِ الْخَيْرَ وَلِذَلِكَ رُوِيَ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «الْمُؤْمِنُونَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ فَإِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ» وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} بِمَعْنَى: وَلَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.
قَوْلُهُ: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ}
يَقُولُ: وَلَا تَدَاعَوْا بِالْأَلْقَابِ؛ وَالنَّبَزُ وَاللَّقَبُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ، يُجْمَعُ النَّبَزُ: أَنْبَازًا، وَاللَّقَبُ: أَلْقَابًا
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْأَلْقَابِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنِ التَّنَابُزِ بِهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهَا الْأَلْقَابَ الَّتِي يَكْرَهُ النَّبْزَ بِهَا الْمُلَقَّبُ، وَقَالُوا: إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ كَانَتْ لَهُمْ أَسْمَاءُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا نُهُوا أَنْ يَدْعُوَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِمَا يَكْرَهُ مِنْ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُدْعَى بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
عَنْ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ أَبُو جَبِيرَةَ بْنُ الضَّحَّاكِ:"فِينَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي بَنِي سَلَمَةَ، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا مِنَّا رَجُلٌ إِلَّا وَلَهُ اسْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، فَكَانَ إِذَا دَعَا الرَّجُلُ بِالِاسْمِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَغْضَبُ مِنْ هَذَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} الْآيَةُ كُلُّهَا"
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ قَوْلُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ: يَا فَاسِقُ، يَا زَانِي
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} قَالَ: «تَسْمِيَتُهُ بِالْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ زَانٍ، فَاسِقٌ»