وعند هذا الحد من تصوير إعراضهم وإصرارهم ، وعدم انتفاعهم بالأنباء ، وقلة جدوى النذر مع هؤلاء. يتوجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - للإعراض عنهم وتركهم يلاقون اليوم الذي لا يحفلون النذير باقترابه ، وهم يرون انشقاق القمر بين يدي مجيئه:
{فتول عنهم يوم يدعو الداع إلى شيء نكر. خشعاً أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر. مهطعين إلى الداع يقول الكافرون: هذا يوم عسر} ..
وهو مشهد من مشاهد ذلك اليوم ، يناسب هوله وشدته ظلال السورة كلها ، ويتناسق مع الإرهاص باقتراب الساعة ، ومع الإنباء بانشقاق القمر ، ومع الإيقاع الموسيقي في السورة كذلك!
"وهو متقارب سريع. وهو مع سرعته شاخص متحرك ، مكتمل السمات والحركات: هذه جموع خارجة من الأجداث في لحظة واحدة كأنهم جراد منتشر (ومشهد الجراد المعهود يساعد على تصور المنظر المعروض) وهذه الجموع خاشعة أبصارها من الذل والهول ، وهي تسرع في سيرها نحو الداعي ، الذي يدعوها لأمر غريب نكير شديد لا تعرفه ولا تطمئن إليه.. وفي أثناء هذا التجمع والخشوع والإسراع يقول الكافرون: {هذا يوم عسر} .. وهي قولة المكروب المجهود ، الذي يخرج ليواجه الأمر الصعيب الرعيب!"
فهذا هو اليوم الذي اقترب ، وهم عنه معرضون ، وبه يكذبون. فتول عنهم يوم يجيء ، ودعهم لمصيرهم فيه وهو هذا المصير الرعيب المخيف!
وبعد هذا الإيقاع العنيف في مطلع السورة ؛ والمشهد المكروب الذي يشمل المكذبين في يوم القيامة.. يأخذ في عرض مشاهد التنكيل والتعذيب الذي أصاب بالفعل أجيال المكذبين قبلهم ، وعرض مصارع الأمم التي سلكت من قبل مسلكهم ، بادئاً بقوم نوح: