{فكيف كان عذابي ونذر؟} ..
ولقد كان كما صوره القرآن. كان عذاباً مدمراً جباراً. وكان نذيراً صادقاً بهذا العذاب.
وهذا هو القرآن حاضراً ، سهل التناول ، ميسر الإدراك ، فيه جاذبية ليقرأ ويتدبر. فيه جاذبية الصدق والبساطة ، وموافقة الفطرة ، واستجاشة الطبع ، لا تنفد عجائبه ، ولا يخلق على كثرة الرد. وكلما تدبره القلب عاد منه بزاد جديد. وكلما صحبته النفس زادت له ألفة وبه أنساً:
{ولقد يسرنا القرآن للذكر ، فها من مدكر؟} ..
وهذا هو التعقيب الذي يتكرر ، بعد كل مشهد يصور.. ويقف السياق عنده بالقلب البشري يدعوه دعوة هادئة إلى التذكر والتدبر ، بعد أن يعرض عليه حلقة من العذاب الأليم الذي حل بالمكذبين.
{كذبت عاد ، فكيف كان عذابي ونذر؟ إنآ أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في يوم نحس مستمر ، تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر. فكيف كان عذابي ونذر؟ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر؟} ..
وهذه هي الحلقة الثانية ، أو المشهد الثاني من مشاهد التعذيب العنيف ؛ والمصرع الذي يقف عليه بعد وقفته على مصرع قوم نوح. أول المهلكين.
يبدؤه بالإخبار عن تكذيب عاد. وقبل أن يكمل الآية يسأل سؤال التعجيب والتهويل: {فكيف كان عذابي ونذر؟} .. كيف كان بعد تكذيب عاد؟ ثم يجيب..
كان كما يصفه ذلك الوصف الخاطف الرعيب:
{إنآ أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في يوم نحس مستمر ، تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر} .. والريح الصرصر: الباردة العنيفة. وجرس اللفظ يصور نوع الريح. والنحس: الشؤم. وأي نحس يصيب قوماً أشد مما أصاب عاد. والريح تنزعهم وتجذبهم وتحطمهم. فتدعهم كأنهم أعجاز نخل مهشمة مقلوعة من قعورها؟!