وهي حركة كونية ضخمة غامرة تصورها ألفاظ وعبارات مختارة. تبدأ بإسناد الفعل إلى الله مباشرة: {ففتحنا} فيحس القارئ يد الجبار تفتح {أبواب السماء} .. بهذا اللفظ وهذا الجمع. {بماء منهمر} .. غزير متوال. وبالقوة ذاتها وبالحركة نفسها: {وفجرنا الأرض عيوناً} .. وهو تعبير يرسم مشهد التفجر وكأنه ينبثق من الأرض كلها ، وكأنما الأرض كلها قد استحالت عيوناً.
والتقى الماء المنهمر من السماء بالماء المتفجر من الأرض.. {على أمر قد قدر} .. التقيا على أمر مقدر ، فهما على اتفاق لتنفيذ هذا الأمر المقدر. طائعان للأمر ، محققان للقدر.
حتى إذا صار طوفاناً يطم ويعم ، ويغمر وجه الأرض ، ويطوي الدنس الذي يغشى هذا الوجه. وقد يئس الرسول من تطهيره ، وغلب على أمره في علاجه. امتدت اليد القوية الرحيمة إلى الرسول الذي دعا دعوته ، فتحرك لها الكون كله. امتدت له هذه اليد بالنجاة وبالتكريم:
{وحملناه على ذات ألواح ودسر. تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر} ..
وظاهر من العبارة تفخيم السفينة وتعظيم أمرها. فهي ذات ألواح ودسر. توصف ولا تذكر لفخامتها وقيمتها. وهي تجري في رعاية الله بملاحظة أعينه. {جزاء لمن كان كفر} . وجحد وازدجر. وهو جزاء يمسح بالرعاية على الجفاء ، وبالتكريم على الاستهزاء. ويصور مدى القوة التي يملك رصيدها من يُغلب في سبيل الله. ومن يبذل طاقته ، ثم يعود إليه يسلم له أمره وأمر الدعوة ويدع له أن ينتصر!.. إن قوى الكون الهائلة كلها في خدمته وفي نصرته. والله من ورائها بجبروته وقدرته.
وعلى مشهد الانتصار الهائل الكامل ؛ والمحق الحاسم الشامل ، يتوجه إلى القلوب التي شهدت المشهد كأنها تراه.
يتوجه إليها بلمسة التعقيب ، لعلها تتأثر وتستجيب:
{ولقد تركناها آية فهل من مدكر؟} ..
هذه الواقعة بملابساتها المعروفة. تركناها آية للأجيال {فهل من مدكر؟} يتذكر ويعتبر؟
ثم سؤال لإيقاظ القلوب إلى هول العذاب وصدق النذير: