{أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ} أي: بالإفراط عن حدّ الفضيلة والاعتدال ، فيلزم الجور الموجب للفساد . وأنْ مصدرية على تقدير الجارّ ، أي: لئلا تطغوا فيه ، أو مفسرة لما في وضع الميزان من معنى القول ، لأنه بالوحي وإعلام الرسل .
{وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ} أي: الاستقامة في الطريقة ، وملازمة حدّ الفضيلة ، ونقطة الاعتدال في جميع الأمور ، وكل القوى .
{وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} قال القاشانيّ: أي: بالتفريط عن حدّ الفضيلة .
قال بعض الحكماء: العدل ميزان الله تعالى ، وضعه للخلق ، ونصبه للحق . انتهى .
وممن فسّر {الْمِيزَانَ} في الآية بالعدل مجاهد وتبعه ابن جرير وكذا ابن كثير ، ونظر لذلك بآية {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25] ، وجوّز أن يراد بالميزان ما يعرف به مقادير الأشياء من ميزان ومكيال ونحوهما . ومنه قال السيوطيّ في"الإكليل": فيه وجوب العدل في الوزن ، وتحريم البخس فيه ، وعليه فوجه اتصال قوله: {وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} بما قبله ، هو أنه لما وصف السماء بالرفعة التي هي مصدر القضايا والأقدار ، أراد وصف الأرض بما فيها ، مما يظهر به التفاوت ، ويعرف به المقدار ، ويسوّى به الحقوق والمواجب ، كذا ارتآه القاضي ، والله أعلم .
وفي الحقيقة ، الثاني من أفرد الأول ، وأخذ اللفظ عامّاً أولى وأفيد .
ومن اللطائف التي يتسع لها نظم الآية الكريمة قول الرازيّ:
{الْمِيزَانَ} ذكر ثلاث مرات ، كل مرة بمعنى ، فالأول: هو الآلة ، والثاني: للمفعول بمعنى المصدر ، والثالث: للمفعول . قال: وهو كالقرآن ، ذكر بمعنى المناسبة ، قوله تعالى: