الإيمان وناداهم به إلا وقد علم منهم الإيمان، لكنه دعاهم إلى أن يصعدوا بهممهم
علوًا إلى رفيع درجاته في النظر في الآيات واستشهاد الشواهد في الأرض
والسماوات، ويعرف الحق المخلوق به الخليقة وتدبر الكتاب والتيقظ لسر المراد؛
فيبوء التذكر لما سلت عنه النفوس ونسيته من العهود والمواثيق، واستشعار الصدق
والأخذ بالوثيقة والحزم والعزم على أخذ الجد ومجانبة أخذ هذا الشأن بالهوينا.
يقول الله - عز من قائل: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ... (21) . أي: إيمانًا لا ريب يتخلله واقتداء
لا مخالفة فيه.
نظم بذلك قوله - عز وجل -: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) أي: الإيمان الأعلى
والاقتداء الأرفع: ثم جزاء ذلك في الآخرة، فهؤلاء هم الذين أخذوا الكتاب
والاقتداء بقوة إيمانًا وتمسكا به (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) .
نظم بذلك - جلَّ جلالُه -: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي
كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ... (22) . أي: من قبل أن نبرأ الأنفس والمصائب،
يريد أنه كتبها قبل أن يخلق السماوات والأرض (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)
يعني: علمه بها قبل التكوين والخلق وكتبها في كتاب، ثم سبقته النفوس
والأسباب إلى إخراجها بعد التكميل على مقدار ما سبق علمه بها وكتبه لها.
(فصل)
أول المصائب وأجلَّها: خروج أبينا آدم من الجنة، ونسيانه عهد ربه إليه، ثم
بآخره جميع المصائب التي تصيب المؤمنين في أولاد وأموال وأنفس ونحو هذا،
فعزى الله - جلَّ ذكره - المؤمنين في مصائبهم في أجسامهم وأنفسهم بأن ذلك قد
سبق كتبه له وتقديره وما يكون عنده عوضا منه.
"وتحاج آدم وموسى عند ربهما، فقال موسى لآدم: أنت الذي أخرجت الناس"
بخطيئتك من الجنة وأشقيتهم، قال آدم لموسى - عليهما السلام: فيكم وجدت
ذلك كتب عليَّ قبل أن أخلق قال بأربعين سنة، قال: أفتلومني على أمر كتب عليَّ