عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي قَوْله تَعَالَى (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) قَدْ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا (وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ) قَالَ كَانَ يُقَالُ هِيَ مِنْ أَيَامَى الْمُسْلِمِينَ فَأَخْبَرَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) قال كان رجال يريدون الزنا بنساء زوان بَغَايَا مُعْلِنَاتٍ كُنَّ كَذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقِيلَ لَهُمْ هَذَا حَرَامٌ فَأَرَادُوا نِكَاحَهُنَّ فَذَكَرَ مُجَاهِدٌ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي نِسَاءٍ مَخْصُوصَاتٍ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْنَا.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر فِي قَوْلِهِ (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) أَنَّهُ نَزَلَ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بَغِيَّةً عَلَى أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ فَأَخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّهْيَ خَرَجَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ أَنْ يُزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُخَلِّيَهَا وَالزِّنَا.
وَرَوَى حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ سعيد بن جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ يَعْنِي بِالنِّكَاحِ جِمَاعَهَا.
وَرَوَى ابْنُ شُبْرُمَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) قَالَ لَا يَزْنِي حِينَ يَزْنِي إلَّا بِزَانِيَةٍ مِثْلِهِ.
وَقَالَ شُعْبَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابن عباس بغاياكن فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَجْعَلْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ كَرَايَاتِ الْبَيَاطِرَةِ يَأْتِيهِنَّ نَاسٌ يُعْرَفْنَ بِذَلِكَ.
وَرَوَى مُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً يَعْنِي بِهِ الْجِمَاعَ حِينَ يَزْنِي وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلُهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَذَهَبَ هَؤُلَاءِ إلَى أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ الْإِخْبَارُ بِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الزِّنَا وَأَنَّ الْمَرْأَةَ كَالرَّجُلِ فِي ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ زَانِيًا فَالْمَرْأَةُ مِثْلُهُ إذَا طَاوَعَتْهُ وَإِذَا زَنَتْ الْمَرْأَةُ فَالرَّجُلُ مِثْلُهَا، فَحَكَمَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ بِمُسَاوَاتِهِمَا فِي الزِّنَا وَيُفِيدُ ذَلِكَ مُسَاوَاتَهُمَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَدِّ وَعِقَابِ الْآخِرَةِ وَقَطْعِ الْمُوَالَاةِ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ.
وَرُوِيَ فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ مَا رَوَى عَاصِمُ الْأَحْوَلُ عَنْ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ الْمَحْدُودُ لَا يَتَزَوَّجُ إلَّا مَحْدُودَةً.
وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي تَزْوِيجِ الزَّانِيَةِ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي آخَرِينَ مِنْ التَّابِعِينَ أَنَّ مَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ أَوْ زَنَى بِهَا غَيْرُهُ فَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ وَالْبَرَاءِ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا لَا يَزَالَانِ زَانِيَيْنِ مَا اجْتَمَعَا.
وَعَنْ عَلِيٍّ إذَا زَنَى الرَّجُلُ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَكَذَلِكَ هِيَ إذَا زَنَتْ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَمَنْ حَظَرَ نِكَاحَ الزَّانِيَةِ تَأَوَّلَ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةَ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ النِّكَاحِ وَأَنَّ الزِّنَا لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَهَا عَلَى الزَّوْجِ وَلَا يُوجِبُ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا وَلَا يَخْلُو قَوْله تَعَالَى (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً) مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ خَبَرًا وَذَلِكَ حَقِيقَتُهُ أَوْ نَهْيًا وَتَحْرِيمًا ثُمَّ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذِكْرِ النِّكَاحِ هُنَا الْوَطْءَ أَوْ الْعَقْدَ وَمُمْتَنِعٌ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَعْنَى الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَقِيقَةَ اللَّفْظِ لِأَنَّا وَجَدْنَا زَانِيًا يَتَزَوَّجُ غَيْرَ زَانِيَةٍ وَزَانِيَةٌ تَتَزَوَّجُ غَيْرَ الزَّانِي فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ مَوْرِدَ الْخَبَرِ فَثَبَتَ أَنَّهُ أَرَادَ الْحُكْمَ وَالنَّهْيَ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ يَخْلُو مِنْ أن يكون المراد الوطء والعقد وَحَقِيقَةُ النِّكَاحِ هُوَ الْوَطْءُ فِي اللُّغَةِ لِمَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوَاضِعَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَيْهِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي أَنَّ الْمُرَادَ الْجِمَاعُ وَلَا يُصْرَفُ إلَى الْعَقْدِ إلَّا بِدَلَالَةٍ لِأَنَّهُ مَجَازٌ، وَلِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ قَدْ أُرِيدَ بِهِ الْحَقِيقَةَ انْتَفَى دُخُولُ الْمَجَازِ فِيهِ وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْعَقْدَ لَمْ يَكُنْ زِنَا الْمَرْأَةِ أَوْ الرَّجُلِ مُوجِبًا لِلْفُرْقَةِ إذْ كَانَا جَمِيعًا مَوْصُوفَيْنِ بِأَنَّهُمَا زَانِيَانِ لِأَنَّ الْآيَةَ قَدْ اقْتَضَتْ إبَاحَةَ نِكَاحِ الزَّانِي لِلزَّانِيَةِ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَجُوزَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ الَّذِي زَنَى بِهَا قَبْلَ أَنْ يَتُوبَا وَأَنْ لَا يَكُونَ زناهما حال في الزَّوْجِيَّةِ يُوجِبُ الْفُرْقَةَ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَقُولُ ذَلِكَ وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَجُوزَ لِلزَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَ مُشْرِكَةً وَلِلْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ مُشْرِكًا، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَأَنَّ نِكَاحَ الْمُشْرِكَاتِ وَتَزْوِيجَ الْمُشْرِكِينَ مُحَرَّمٌ مَنْسُوخٌ فدل ذلك على أحد المعنيين إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْجِمَاعَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَابَعَهُ أَوْ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْآيَةِ مَنْسُوخًا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.