«فَإِنْ قِيلَ» : إذَا كَانَ مَوْضُوعُ السِّحْرِ التَّمْوِيهَ وَالْإِخْفَاءَ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى مَا يُوَضِّحُ الْحَقَّ وَيُنْبِئُ عَنْهُ سِحْرًا وَهُوَ إنَّمَا أَظْهَرَ بِذَلِكَ مَا خَفِيَ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ إلَى إخْفَاءِ مَا ظَهَرَ وَإِظْهَارُهُ غَيْرُ حَقِيقَةٍ؟
قِيلَ لَهُ سُمِّيَ ذَلِكَ سِحْرًا مِنْ حَيْثُ كَانَ الْأَغْلَبُ فِي ظَنِّ السَّامِعِ أَنَّهُ لَوْ وَرَدَ عَلَيْهِ الْمَعْنَى بِلَفْظٍ مُسْتَنْكَرٍ غَيْرِ مُبَيَّنٍ لَمَا صَادَفَ مِنْهُ قَبُولًا وَلَا أَصْغَى إلَيْهِ وَمَتَى سَمِعَ الْمَعْنَى بِعِبَارَةٍ مَقْبُولَةٍ عَذْبَةٍ لَا فَسَادَ فِيهَا وَلَا اسْتِنْكَارَ وَقَدْ تَأَتَّى لَهَا بِلَفْظِهِ وَحُسْنِ بَيَانِهِ بِمَا لَا يَتَأَتَّى لَهُ الْغَبِيُّ الَّذِي لَا بَيَانَ لَهُ أَصْغَى إلَيْهِ وَسَمِعَهُ وَقَبِلَهُ فَسَمَّى اسْتِمَالَتَهُ لِلْقُلُوبِ بِهَذَا الضَّرْبِ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا كَمَا يَسْتَمِيلُ السَّاحِرُ قُلُوبَ الْحَاضِرِينَ إلَى مَا مَوَّهَ بِهِ وَلَبَّسَهُ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ سُمِّيَ الْبَيَانُ سِحْرًا لَا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ظَنَنْت وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا سَمَّى الْبَيَانَ سِحْرًا لِأَنَّ الْمُقْتَدِرَ عَلَى الْبَيَانِ رُبَّمَا قبح ببيانه بَعْضَ مَا هُوَ حَسَنٌ وَحَسُنَ عِنْدَهُ بَعْضُ مَا هُوَ قَبِيحٌ فَسَمَّاهُ لِذَلِكَ سِحْرًا كَمَا سَمَّى مَا مَوَّهَ بِهِ صَاحِبُهُ وَأَظْهَرَ عَلَى غَيْر حَقِيقَةٍ سِحْرًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَاسْمِ السِّحْرِ إنَّمَا أُطْلِقْ عَلَى الْبَيَانِ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً وَالْحَقِيقَةُ مَا وَصَفْنَا وَلِذَلِكَ صَارَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ كُلَّ أَمْرٍ مُمَوَّهٍ قَدْ قُصِدَ بِهِ الْخَدِيعَةُ وَالتَّلْبِيسُ وَإِظْهَارُ مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَلَا ثَبَاتَ.