فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 143

وَإِنَّمَا خَصَّ الْمَلَكَيْنِ بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَا مَأْمُورَيْنِ بِتَعْرِيفِ الْكَافَّةِ لِأَنَّ الْعَامَّةَ كَانَتْ تَبَعًا لِلْمَلِكَيْنِ فَكَانَ أَبْلَغُ الْأَشْيَاءِ فِي تَقْرِيرِ مَعَانِي السِّحْرِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى بُطْلَانِهِ تَخْصِيصَ الْمَلِكَيْنِ بِهِ لِيَتْبَعَهُمَا النَّاسُ كَمَا قَالَ لِمُوسَى وَهَارُونَ (اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) وَقَدْ كَانَا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ رَسُولَيْنِ إلَى رَعَايَاهُ كَمَا أُرْسِلَا إلَيْهِ وَلَكِنَّهُ خَصَّهُ بِالْمُخَاطَبَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَنْفَعُ فِي اسْتِدْعَائِهِ وَاسْتِدْعَاءِ رَعِيَّتِهِ إلَى الْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ كَتَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ دُونَ رَعَايَاهُمَا وَإِنْ كَانَ رَسُولًا إلَى كَافَّةِ النَّاسِ لِمَا وَصَفْنَاهُ مِنْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ تَبَعٌ لِلرَّاعِي وكذلك

قال صلّى الله عليه وسلم فِي كِتَابِهِ لِكِسْرَى (أَمَّا بَعْدُ فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ وَإِلَّا فَعَلَيْكَ إثْمُ الْمَجُوسِ)

وَقَالَ لِقَيْصَرَ (أَسْلِمْ تسلم وإلا فعليك إثم الأريسين)

يَعْنِي أَنَّك إذَا آمَنْتَ تَبِعَتْكَ الرَّعِيَّةُ وَإِنْ أَبَيْتَ لَمْ تَسْتَجِبْ الرَّعِيَّةُ إلَى الْإِسْلَامِ خَوْفًا مِنْك فَهُمْ تَبَعٌ لَك فِي الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ فَلِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ خَصَّ الْمَلِكَيْنِ مِنْ أَهْلِ بَابِلَ بِإِرْسَالِ الْمَلَكَيْنِ إلَيْهِمَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ)

«فَإِنْ قِيلَ» : فَكَيْفَ يَكُونُ الْمَلَائِكَةُ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ وَمُنَزَّلًا عَلَيْهِمْ؟

قِيلَ لَهُ هَذَا جَائِزٌ شَائِعٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يُرْسِلُ الْمَلَائِكَةَ بَعْضَهُمْ إلَى بَعْضٍ كَمَا يُرْسِلُهُمْ إلَى الْأَنْبِيَاءِ كَثَّفَ أَجْسَامَهُمْ وَجَعَلَهُمْ كَهَيْئَةِ بَنِي آدَمَ لِئَلَّا يَنْفِرُوا مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا) يَعْنِي هَيْئَةَ الرَّجُلِ وقَوْله تَعَالَى (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ الْمَلَكَيْنِ لِيُبَيِّنَا لِلنَّاسِ مَعَانِي السِّحْرِ وَيَعْلَمُوهُمْ أَنَّهُ كُفْرٌ وَكَذِبٌ وَتَمْوِيهٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ حَتَّى يَجْتَنِبُوهُ كَمَا بَيَّنَ اللَّهُ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ سَائِرَ الْمَحْظُورَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ لِيَجْتَنِبُوهُ وَلَا يَأْتُوهُ فَلَمَّا كَانَ السِّحْرُ كُفْرًا وَتَمْوِيهًا وَخِدَاعًا وَكَانَ أَهْلُ ذَلِكَ

الزَّمَانِ قَدْ اغْتَرُّوا بِهِ وَصَدَّقُوا السَّحَرَةَ فِيمَا ادَّعَوْهُ لِأَنْفُسِهِمْ بِهِ بَيَّنَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ عَلَى لِسَانِ هَذَيْنِ الْمَلَكَيْنِ لِيَكْشِفَا عَنْهُمْ غُمَّةَ الْجَهْلِ وَيَزْجُرَاهُمْ عَنْ الِاغْتِرَارِ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ) يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بَيَّنَّا سَبِيلَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ لِيَجْتَبِيَ الْخَيْرَ وَيَجْتَنِبَ الشَّرَّ وَكَمَا قِيلَ لِعُمَرَ ابن الْخَطَّابِ فُلَانٌ لَا يَعْرِفُ الشَّرَّ قَالَ أَجْدَرُ أَنْ يَقَعْ فِيهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت