«فَإِنْ قِيلَ» : فَمَا فَائِدَةُ شَرْطِ اللَّهِ الْإِحْصَانَ فِي قوله فَإِذا أُحْصِنَّ وَهِيَ مَحْدُودَةٌ فِي حَالِ الْإِحْصَانِ وَعَدَمِهِ؟
قِيلَ لَهُ لَمَّا كَانَتْ الْحُرَّةُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الرَّجْمُ إلَّا أَنْ تَكُونَ مُسْلِمَةً مُتَزَوِّجَةً أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُنَّ وَإِنْ أُحْصِنَّ بِالْإِسْلَامِ وَبِالتَّزْوِيجِ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ حَدِّ الْحُرَّةِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يُتَوَهَّمَ افْتِرَاقُ حَالِهَا فِي حُكْمِ وُجُودِ الْإِحْصَانِ وَعَدَمِهِ فَإِذَا كَانَتْ مُحْصَنَةً يَكُونُ عَلَيْهَا الرَّجْمُ وَإِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُحْصَنَةٍ فَنِصْفُ الْحَدِّ فَأَزَالَ اللَّهُ تَعَالَى تَوَهُّمَ مَنْ يَظُنُّ ذَلِكَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا إلَّا نِصْفُ الْحَدِّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ فَهَذِهِ فَائِدَةُ شَرْطِ الْإِحْصَانِ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِّهَا وَلَمَّا أَوْجَبَ عَلَيْهَا نِصْفَ حَدِّ الْحُرَّةِ مَعَ الْإِحْصَانِ عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ الْجَلْدَ إذْ الرَّجْمُ لَا يَنْتَصِفُ وقَوْله تَعَالَى (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ) أَرَادَ بِهِ الْإِحْصَانَ مِنْ جِهَةِ الْحُرِّيَّةِ لَا الْإِحْصَانَ الْمُوجِبَ لِلرَّجْمِ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ عَلَيْهَا نِصْفُ الرَّجْمِ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ، وَخَصَّ اللَّهُ الْأَمَةَ بِإِيجَابِ نِصْفِ حَدِّ الْحُرَّةِ عَلَيْهَا إذَا زَنَتْ
وَعَقَلَتْ الْأُمَّةُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ بِمَثَابَتِهَا إذْ كَانَ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ لِنُقْصَانِ الْحَدِّ مَعْقُولًا مِنْ الظَّاهِرِ وَهُوَ الرِّقُّ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْعَبْدِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ) خَصَّ الْمُحْصَنَاتِ بِالذِّكْرِ وَعَقَلَتْ الْأُمَّةُ حُكْمَ الْمُحْصِنِينَ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ إذَا قُذِفُوا إذْ كَانَ الْمَعْنَى فِي الْمُحْصَنَةِ الْعِفَّةَ وَالْحُرِّيَّةَ وَالْإِسْلَامَ فَحَكَمُوا لِلرَّجُلِ بِحُكْمِ النِّسَاءِ بِالْمَعْنَى وَهَذَا يَدُلُّ على أن الأحكام إذا عقلت بِمَعَانٍ فَحَيْثُمَا وُجِدَتْ فَالْحُكْمُ ثَابِتٌ حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِ الْمَوَاضِعِ دُونَ بعض.