وقد قال الجنيد: الروح شيء استأثر الله بعلمه ولا تجوز العبارة عنه بأكثر من موجود، ولكن نجعل للصادقين محملًا لأقوالهم وأفعالهم.
ويجوز أن يكون كلامهم في ذلك بمثابة التأويل لكلام الله تعالى والآيات المنزلة، حيث حرم تفسيره وجوز تأويله، إذ لا يسع القول في التفسير إلا نقل.
وأما التأويل فتمتد العقول إليه بالباع الطويل، وهو ذكر ما تحتمل الآية من المعنى من غير القطع بذلك، وإذا كان الأمر كذلك فللقول فيه وجه ومحمل.
قال أبو عبد الله النباجي: الروح جسم يلطف عن الحس ويكبر عن اللمس ولا يعبر عنه بأكثر من موجود، وهو إن منع عن العبارة فقد حكم بأنه جسم؛ فكأنه عبر عنه.
وقال ابن عطاء الله: خلق الله الأرواح قبل الأجساد، لقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} يعني الأرواح. {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} (الأعراف: الآية 11) يعني الأجساد.
وقال بعضهم: الروح لطيف قائم في كثيف، كالبصر جوهر لطيف قائم في كثيف. وفي هذا القول نظر.
وقال بعضهم: الروح عبارة والقائم بالأشياء هو الحق، وهذا فيه نظر أيضًا إلا أن يحمل على معنى الإحياء؛ فقد قال بعضهم: الإحياء صفة المحيي، كالتخليق صفة الخالق وقال: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} وأمره كلامه، وكلامه ليس بمخلوق: أي صار الحي حيًا بقوله: كن حيًا؛ وعلى هذا لا يكون الروح معنى في الجسد، فمن الأقوال ما يدل على أن قائله يعتقد قدم الروح، ومن الأقوال ما يدل على أنه يعتقد حدوثه.
ثم إن الناس مختلفون في الروح الذي سئل رسول الله صلى الله عليه وسلّم عنه، فقال قوم: هو جبرائيل. ونقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، ولكل وجه منه سبعون ألف لسان، ولكل لسان منه سبعون ألف لغة يسبح الله تعالى بتلك اللغات كلها، ويخلق من كل تسبيحة ملكًا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة.
وروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن الروح خلق من خلق الله صورهم على صورة بني آدم، وما نزل من السماء ملك إلا ومعه واحد من الروح.
وقال أبو صالح: الروح كهيئة الإنسان وليسوا بناس.
وقال مجاهد: الروح على صورة بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس يأكلون الطعام وليسوا بملائكة.
وقال سعيد بن جبير: لم يخلق الله خلقًا من الروح غير العرش، ولو شاء أن يبلغ السماوات والأرض السبع في لقمة لعمل، صورة خلقه على صورة الملائكة، وصورة وجهه على صورة الآدميين، يقوم يوم القيامة عن يمين العرش والملائكة معه في صف واحد. وهو من يشفع لأهل التوحيد، ولولا أن بينه وبين الملائكة سترًا من نور لحرق أهل السماوات من نوره؛ فهذه الأقاويل لا تكون إلا نقلًا وسماعًا بلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ذلك، وإذا كان الروح المسؤول عنه شيئًا من هذا المنقول فهو غير الروح الذي في الجسد؛ فعلى هذا يسوغ القول في هذا الروح ولا يكون الكلام فيه ممنوعًا.