اعلم أن الكلام في الروح صعب المرام والإمساك عن ذلك سبيل ذوي الأحلام، وقد عظم الله تعالى شأن الروح وأسجل على الخلق بقلة العلم حيث قال: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا} (الإسراء: الآية 85) وقد أخبرنا الله تعالى في كلامه عن إكرامه بني آدم فقال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} (الإسراء: الآية 70) .
وقال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} (الإسراء: الآية 85) الآية، قال ابن عباس: قالت اليهود للنبي عليه السلام: أخبرنا ما الروح؟ وكيف تعذب الروح التي في الجسد؟ وإنما الروح من أمر الله ولم يكن نزل إليه فيه شيء، فلم يجبهم، فأتاه جبرائيل بهذه الآية، وحيث أمسك رسول الله عن الإخبار عن الروح وماهيته بإذن الله تعالى ووحيه وهو صلوات الله عليه معدن العلم وينبوع الحكمة، فكيف يسوغ لغيره الخوض فيه والإشارة إليه لا جرم لما تقاضت الأنفس الإنسانية المتطلعة إلى الفضول المتشوقة إلى المعقول المتحركة بوضعها إلى كل ما أمره بالسكون فيه، والمتسورة بحرصها إلى كل تحقيق وكل تمويه، وأطلقت عنان النظر في مسارح الفكر، وخاضت غمرات معرفة ماهية الروح تاهت في التيه وتنوعت آراؤها فيه، ولم يوجد الاختلاف بين أرباب النقل والعقل في شيء كالاختلاف في ماهية الروح. ولو لزمت حدّها معترفة بعجزها كان ذلك أجدر بها وأولى؛ فأما أقاويل من ليس متمسكًا بالشرائع فننزه الكتاب عن ذكرها، لأنها أقوال أبرزتها العقول التي ضلت عن الرشاد وطبعت على الفساد، ولم يصبها نور الاهتداء ببركة متابعة الأنبياء، فهم كما قاله الله تعالى: {كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} (الكهف: الآية 101) ، {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} (فصلت: الآية 5) فلما حجبوا عن الأنبياء لم يسمعوا، وحيث لم يسمعوا لم يهتدوا فأصروا على الجهالات وحجبوا بالمعقول عن المأمول، والعقل حجة الله تعالى يهدي به قومًا ويضل به آخرين؛ فلم ننقل أقوالهم في الروح واختلافهم فيه.
وأما المستمسكون بالشرائع الذين تكلموا في الروح؛ فقوم منهم بطريق الاستدلال والنظر، وقوم منهم بلسان الذوق والوجد لا باستعمال الفكر، حتى تكلم في ذلك مشايخ الصوفية أيضًا، وكان الأولى الإمساك عن ذلك والتأدب بأدب النبي عليه الصلاة والسلام.