(قولهم في التوكل)
قال السري: التوكل الانخلاع من الحول والقوة.
وقال الجنيد: التوكل أن تكون لله كما لم تكن، فيكون الله لك كما لم يزل.
وقال سهل: كل المقامات لها وجه وقفا، غير التوكل فإنه وجه بلا قفا.
قال بعضهم: يريد توكل العناية لا توكل الكفاية، والله تعالى جعل التوكل مقرونًا بالإيمان فقال: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (المائدة: الآية 23) وقال: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (المائدة: الآية 11) وقال لنبيه: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ} (الفرقان: الآية 58) .
وقال ذو النون: التوكل ترك تدبير النفس والانخلاع من الحول والقوة.
وقال أبو بكر الرقاق: التوكل رد العيش إلى يوم واحد وإسقاط هم غد.
وقال أبو بكر الواسطي: أصل التوكل الفاقة والافتقار وأن لا يفارق التوكل في أمانيه ولا يلتفت بصره إلى توكله لحظة في عمره.
وقال بعضهم: من أراد أن يقوم بحق التوكل لنفسه قبرًا يدفنها وينسى الدنيا وأهلها، لأن حقيقة التوكل لا يقوم لها أحد من الخلق على كماله.
وقال سهل: أول مقامات التوكل أن يكون العبد بين يدي الله تعالى كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف أراد ولا يكون له حركة ولا تدبير.
وقال حمدون القصار: التوكل هو الاعتصام بالله.
وقال سهل أيضًا: العلم كله باب من التعبد، والتعبد كله باب من الورع، والورع كله باب من الزهد، والزهد كله باب من التوكل. وقال: التقوى واليقين مثل كفتي الميزان، والتوكل لسانه به تعرف الزيادة والنقصان.
ويقع أن التوكل على قدر العلم بالوكيل، فكل من كان أتم معرفة كان أتم توكلًا، ومن كمل توكله غاب في رؤية الوكيل عن رؤية توكله، ثم إن قوة المعرفة تفيد صرف العلم بالعدل في القسمة، وأن الأقسام نصبت بإزاء المقسوم لهم عدلًا وموازنة، فإن النظر إلى غير الله لوجود الجهل في النفس، وكل ما أحس بشيء يقدح في توكله يراه من منبع النفس، فنقصان التوكل يظهر بظهور النفس، وكماله يثبت بغيبة النفس، وليس للأقوياء اعتداد بتصحيح توكلهم وإنما شغلهم في تغييب النفس بتقوية مراد القلب، فإذا غابت النفس انحسمت مادة الجهل فصح التوكل والعبد غير ناظر إليه، وكلما تحرك من النفس بقية يرد على ضميرهم سر قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} (العنكبوت:42) فيغلب وجود الحق الأعيان والأكوان، ويرى الكون بالله من غير استقلال الكون في نفسه، ويصير التوكل حينئذ اضطرارًا، ولا يقدح في توكل مثل هذا المتوكل ما يقدح في توكل الضعفاء في التوكل من وجود الأسباب والوسائط، لأنه يرى الأسباب مواتًا لا حياة لها إلا بالتوكل، وهذا توكل خواص أهل المعرفة.