فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 148

{مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(96)}

(قولهم في الزهد)

قال الجنيد: الزهد خلوّ الأيدي من الأملاك والقلوب من التتبع.

وسئل الشبلي عن الزهد؟ فقال: لا زهد في الحقيقة، لأنه إما أن يزهد فيما ليس له فليس ذلك بزهد، أو يزهد فيما هو له فكيف يزهد فيه وهو معه وعنده، فليس إلا ظلف النفس وبذل مواساة: يشير إلى الأقسام التي سبقت بها الأقلام، وهذا لو اطرد هدم قاعدة الاجتهاد والكسب، ولكن مقصود الشبلي: أن يقلل الزهد في عين المعتد بالزهد لئلا يغتر به.

قال رسول الله: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ أُوتِيَ زُهْدًا فِي الدُّنْيَا وَمَنْطِقًا، فَاقْرَبُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُلَقَّى الحِكْمَةَ» .

وقد سمى الله عز وجل الزاهدين علماء في قصة قارون فقال تعالى {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ} (القصص: الآية 80) قيل هم الزاهدون.

وقال سهل بن عبد الله: للعقل ألف اسم، ولكل اسم منه ألف اسم، وأوّل كل اسم منه ترك الدنيا.

وقيل في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ} (السجدة: الآية 24) قيل: عن الدنيا.

وفي الخبر: «العلماء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا فإذا دخلوا في الدنيا فاحذروهم على دينكم» .

وجاء في الأثر: لا تزال «لا إله إلا الله» تدفع عن العباد سخط الله ما لم يبالوا ما نقص من دنياهم؛ فإذا فعلوا ذلك وقالوا لا إله إلا الله قال الله تعالى: كذبتم لستم بها صادقين.

وقال سهل: أعمال البر كلها في موازين الزهاد وثواب زهدهم زيادة لهم.

وقيل: من سمي باسم الزهد في الدنيا فقد سمي بألف اسم محمود؛ ومن سمي باسم الرغبة في الدنيا فقد سمي بألف اسم مذموم.

وقال السري: الزهد ترك حظوظ النفس من جميع ما في الدنيا، ويجمع هذا: الحظوظ المالية، والجاهية، وحب المنزل عند الناس، وحب المحمدة والثناء.

وسئل الشبلي عن الزهد فقال: الزهد غفلة، لأن الدنيا لا شيء، والزهد في لا شيء غفلة.

وقال بعضهم: لما رأوا حقارة الدنيا زهدوا في الدنيا لهوانها عندهم، وعندي أن الزهد في الزهد غير هذا، وإنما الزهد في الزهد بالخروج من الاختيار في الزهد، لأنّ الزاهد اختار الزهد وأراده، وإرادته تستند إلى علمه، وعلمه قاصر، فإذا أقيم في مقام ترك الإرادة وانسلخ من اختياره كاشفه الله تعالى بمراده، فيترك الدنيا بمراد الحق لا بمراد نفسه، فيكون زهده بالله تعالى حينئذ. أو يعلم أن مراد الله منه التلبس بشيء من الدنيا، فما يدخل بالله في شيء من الدنيا لا ينقص عليه زهده، فيكون دخوله في الشيء من الدنيا بالله وبإذن منه زهدًا في الزهد، والزاهد في الزهد استوى عنده وجود الدنيا وعدمها، إن تركها تركها بالله، وإن أخدها أخذها بالله، وهذا هو الزهد في الزهد: وقد رأينا من العارفين من أقيم في هذا المقام. وفوق هذا مقام آخر في الزهد: وهو لمن يردّ الحق إليه اختياره لسعة علمه وطهارة نفسه في مقام البقاء. فيزهد زهدًا ثالثًا ويترك الدنيا بعد أن مكن من ناصيتها وأعيدت عليه موهوبة، ويكون تركه الدنيا في هذا المقام باختياره، واختياره من اختيار الحق؛ فقد يختار تركها حينًا تأسيًا بالأنبياء والصالحين، ويرى أن أخذها في مقام الزهد في الزهد رفق أدخل عليه لموضع ضعفه عن درك شأو الأقوياء من الأنبياء والصديقين؛ فيترك الرفق من الحق بالحق للحق، وقد يتناوله باختياره رفقًا بتدبير يسوسه فيه صريح العلم: وهذا مقام التصرف لأقوياء العارفين: زهدوا ثالثًا بالله، كما رغبوا ثانيًا بالله، كما زهدوا أوّلًا لله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت