فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 148

{فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ...(54)}

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي قال: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلاَّ لله، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ الله مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ» .

وأخبرنا شيخنا أبو زرعة طاهر بن أبي الفضل، قال: أخبرنا أبو بكر بن خلف، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن، قال: أخبرنا أبو عمر بن حيوة، قال: حدثني أبو عبيد بن مؤمل عن أبيه، قال: حدثني بشر بن محمد، قال: حدثنا عبد الملك بن وهب، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن العرباض بن سارية قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يدعو: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَسَمْعِي وَبَصَرِي وَأَهْلِي وَمَالِي وَمِنَ المَاءِ البَارِدِ» فكأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم طلب خالص الحب، وخالص الحب: هو أن يحب الله تعالى بكليته، وذلك أن العبد قد يكون في حال قائمًا بشروط حاله بحكم العلم، والجبلة تتقاضاه بضد العلم، مثل أن يكون راضيًا والجبلة قد تكره، ويكون النظر إلى الانقياد بالعلم لا إلى الاستعصاء بالجبلة؛ فقد يحب الله تعالى ورسوله بحكم الإيمان، ويحب الأهل والولد بحكم الطبع.

وللمحبة وجوه وبواعث المحبة في الإنسان متنوعة: فمنها محبة الروح، ومحبة القلب، ومحبة النفس، ومحبة العقل؛ فقول رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقد ذكر الأهل والمال والماء البارد: معناه استئصال عروق المحبة بمحبة الله تعالى حتى يكون حب الله تعالى بقلبه وروحه وكليته، حتى يكون حب الله تعالى أغلب في الطبع أيضًا والجبلة من حب الماء البارد، وهذا يكون حبًا صافيًا تنغمر به وبنوره نار الطبع والجبلة، وهذا يكون حب الذات عن مشاهدة بعكوف الروح وخلوصه إلى مواطن القرب.

قال الواسطي في قوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} (المائدة: 54) كما أنه بذاته يحبهم كذلك يحبون ذاته، فالهاء راجعة إلى الذات دون النعوت والصفات.

وقال بعضهم: المحب شرطه أن تلحقه سكرات المحبة، فإذا لم يكن ذلك حبه فيه حقيقة، فإذًا الحب حبان: حب عام، وحب خاص.

فالحب العام: مفسر بامتثال الأمر، وربما كان حبًا من معدن العلم بالآلاء والنعماء، وهذا الحب مخرجه من الصفات، وقد ذكر جمع من المشايخ الحب في المقامات، فيكون النظر إلى هذا الحب الذي يكون لكسب العبد فيه مدخل.

وأما الحب الخاص: فهو حب الذات عن مطالعة الروح، وهو الحب الذي فيه السكرات، وهو الاصطناع من الله الكريم لعبده واصطفاؤه إياه، وهذا الحب يكون من الأحوال؛ لأنه محض موهبة ليس للكسب فيه مدخل، وهو مفهوم من قول النبي: «أحب إلي من الماء البارد» لأنه كلام عن وجدان روح تلتذ بحب الذات، وهذا الحب روح، والحب الذي يظهر عن مطالعة الصفات ويطلع من مطالع الإيمان قالب هذا الروح، ولما صحت محبتهم هذه أخبر الله تعالى عنهم بقوله: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} (المائدة: الآية 54) لأن المحب يذل لمحبوبه ولمحبوب محبوبه، وينشد:

لعين تفدّى ألف عين وتتقى ... ويكرم ألف للحبيب المكرم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت