فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 148

{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ(99)}

(فصل: في ذكر شيء من البدايات والنهايات وصحتها)

قال الجنيد: أكثر العوائق والحوائل والموانع من فساد الابتداء، فالمريد في أول سلوك هذا الطريق يحتاج إلى إحكام النية، وإحكام النية: تنزيهها من دواعي الهوى، وكل ما كان للنفس فيه حظ عاجل، حتى يكون خروجه خالصًا لله تعالى.

وكتب سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز: اعلم يا عمر أن عون الله للعبد بقدر النية، فمن تمت نيته تم عون الله له، ومن قصرت عنه نيته قصر عنه عون الله بقدر ذلك.

وكتب بعض الصالحين إلى أخيه: أخلص النية في أعمالك يكفك قليل من العمل، ومن لم يهتد إلى النية بنفسه يصحب من يعلمه حسن النية.

قال سهل بن عبد الله التستري: أول ما يؤمر به المريد المبتدئ: التبري من الحركات المذمومة ثم النقل إلى الحركات المحمودة، ثم التفرّد لأمر الله تعالى، ثم التوقف في الرشاد، ثم الثبات، ثم البيان، ثم القرب، ثم المناجاة، ثم المصافاة ثم الموالاة؛ ويكون الرضا والتسليم مراده، والتفويض والتوكل حاله، ثم يمن الله تعالى بعد هذه بالمعرفة، فيكون مقامه عند الله مقام المتبرئين من الحول والقوة؛ وهذا مقام حمله العرش وليس بعده مقام.

هذا من كلام سهل جمع فيه ما في البداية والنهاية.

ومتى تمسك المريد بالصدق والإخلاص بلغ مبلغ الرجال، ولا يحقق صدقه وإخلاصه شيء مثل متابعة أمر الشرع وقطع النظر عن الخلط؛ فكل الآفات التي دخلت على أهل البدايات لموضع نظرهم إلى الخلق. وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا يَكْمُلُ إِيمَانُ المَرْءِ حَتَّى يَكُونَ النَّاسُ عِنْدَهُ كَالأَبَاعِرِ ثُمَّ يَرْجِع إِلَى نَفْسِهِ فَيَرَاهَا أَصْغَرَ صَاغِرٍ»

إشارة إلى قطع النظر عن الخلق والخروج منهم وترك التقيد بعاداتهم.

قال أحمد بن خضرويه: من أحب أن يكون الله تعالى معه على كل حال فليلزم الصدق، فإن الله تعالى مع الصادقين، وقد ورد في الخبر عن رسول الله: «الصِّدْقُ يَهْدِي إِلَى البِرِّ» ولا بد للمريد من الخروج من المال والجاه والخروج عن الخلق بقطع النظر عنهم إلى أن يحكم أساسه فيعلم دقائق الهوى وخفايا شهوات النفس، وأنفع شيء للمريد معرفة النفس؛ ولا يقوم بواجب حق معرفة النفس من له في الدنيا حاجة من طلب الفضول والزيادات، أو عليه من الهوى بقية.

قال زيد بن أسلم: خصلتان هما كمال أمرك تصبح لا تهم لله بمعصية وتمسي ولا تهم لله بمعصية؛ فإذا أحكم الزهد والتقوى انكشفت له النفس وخرجت من حجبها وعلم طريق وخفي شهواتها ودسائسها وتلبيساتها. ومن تمسك بالصدق فقد تمسك بالعروة الوثقى.

قال ذو النون: لله تعالى في أرضه سيف ما وضع على شيء إلا قطع وهو الصدق.

ونقل في معنى الصدق: أن عابدًا من بني إسرائيل راودته ملكة عن نفسه فقال: اجعلوا لي ماء في الخلاء أتنظف به، ثم صعد على موضع في القصر فرمى بنفسه؛ فأوحى الله تعالى إلى ملك الهواء أن ألزم عبدي، فلزمه ووضعه على الأرض وضعًا رفيقًا، فقيل لإبليس ألا أغويته. فقال ليس لي سلطان على من خالف هواه وبذل نفسه لله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت