فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 148

{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(37)}

للَّه سبحانه وتعالى أبواب من طريق الحكمة وأبواب من طريق القدرة، فإن فتح بابًا من طريق الحكمة وإلا فيفتح بابًا من طريق القدرة ويأتيه الشيء بخرق العادة، كما كان يأتي مريم عليها السلام: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ} .

حكي عن بعض الفقراء قال: جعت ذات يوم وكان حالي أن لا أسأل، فدخلت بعض المحال ببغداد مجتازًا متعرضًا لعل الله تعالى يفتح لي على يد بعض عباده شيئًا فلم يقدّر، فنمت جائعًا فأتى آت في منامي فقال لي: اذهب إلى موضع كذا ـ وعين الموضع ـ فثم خرقة زرقاء فيها قطيعات أخرجها في مصالحك، فمن تجرد عن المخلوقين وتفرد بالله فقد تفرد بغنى قادر لا يعجزه شيء يفتح عليه من أبواب الحكمة والقدرة كيف شاء، وأولى من سأل نفسه يسألها الصبر الجميل فإن الصادق تجيبه نفسه.

وحكى شيخنا رحمه الله تعالى أن ولده جاء إليه ذات يوم وقال له: أريد حبة، قال: فقلت له: ما تفعل بالحبة؟ فذكر شهوة يشتريها بالحبة، ثم قال: عن إذنك أذهب وأستقرض الحبة، قال: قلت نعم استقرضها من نفسك فهي أولى من أقرض. وقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال:

إذا شئت أن تستقرضَ المالَ مُنْفقًا ... على شهواتِ النَّفْسِ في زَمَنِ العُسرِ

فَسلْ نفسك الإنفاقَ من كنز صبرها ... عليك وإرفاقًا إلى زمن اليُسْرِ

فإن فعلت كنت الغنيَّ وإن أبت ... فكل منوع بعدها واسع العُذرِ

فإذا استنفد الفقير الجهد من نفسه وأشرف على الضعف وتحققت الضرورة وسأل مولاه ولم يقدر له بشيء ووقته يضيق عن الكسب من شغله بحاله، فعند ذلك يقرع باب السبب ويسأل؛ فقد كان الصالحون يفعلون ذلك عند فاقتهم.

نقل عن أبي سعيد الخراز أنه كان يمد يده عند الفاقة ويقول: ثمّ شيء لله.

ونقل عن أبي جعفر الحداد وكان أستاذًا للجنيد أنه كان يخرج بين العشاءين ويسأل من باب أو بابين، ويكون ذلك معلومه على قدر الحاجة بعد يوم أو يومين.

ونقل عن إبراهيم بن أدهم أنه كان معتكفًا بجامع البصرة مدة وكان يفطر في كل ثلاث ليال ليلة، وليلة إفطاره يطلب من الأبواب.

ونقل عن سفيان الثوري أنه كان يسافر من الحجاز إلى صنعاء اليمن ويسأل في الطريق وقال: كنت أذكر لهم حديثًا في الضيافة فيقدم لي الطعام فأتناول حاجتي وأترك ما يبقى.

وقد ورد: «من جاع ولم يسأل فمات دخل النار»

ومن عنده علم وله مع الله حال لا يبالي بمثل هذا بل يسأل بالعلم ويمسك عن السؤال بالعلم.

وحكى بعض مشايخنا عن شخص كان مصرًا على المعاصي، ثم انتبه وتاب، وحسنت توبته وصار له حال مع الله تعالى قال: عزمت أن أحج مع القافلة ونويت أن لا أسأل أحدًا شيئًا وأكتفي بعلم الله بحالي، قال: فبقيت أيامًا في الطريق، ففتح الله عليَّ بالماء والزاد في وقت الحاجة، ثم وقف الأمر ولم يفتح الله علي بشيء، فجعت وعطشت حتى لم يبق لي طاقة، فضعفت عن المشي وبقيت أتأخر عن القافلة قليلًا قليلًا حتى مرت القافلة، فقلت في نفسي: هذا الآن مني إلقاء النفس إلى التهلكة، وقد منع الله من ذلك، وهذه مسألة الاضطرار أسأل، فلما هممت بالسؤال انبعث من باطني إنكار لهذه الحال وقلت: عزيمة عقدتها مع الله لا أنقضها وهان عليَّ الموت دون نقض عزيمتي، فقصدت شجرة وقعدت في ظلها وطرحت رأسي استطراحًا للموت وذهبت القافلة، فبينا أنا كذلك إذ جاءني شاب متقلد بسيف وحركني، فقمت وفي يده إداوة فيها ماء فقال لي: اشرب؛ فشربت ثم قدم لي طعامًا وقال: كل، فأكلت، ثم قال لي: أتريد القافلة؛ فقلت: من لي بالقافلة وقد عبرت فقال لي: قم، وأخذ بيدي ومشى معي خطوات ثم قال لي: اجلس فالقافلة إليك تجيء، فجلست ساعة فإذا أنا بالقافلة ورائي متوجهة إليَّ. هذا شأن من يعامل مولاه بالصدق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت