قال الواسطي: الافتقار إلى الله أعلى درجة المريدين والاستغناء بالله أعلى درجة الصديقين.
وقال أبو سعيد الخراز: العارف تدبيره فني في تدبير الحق فالواقف مع الفتوح واقف مع الله ناظر إلى الله، وأحسن ما حكي في هذا: أن بعضهم رأى النوري يمد يده ويسأل الناس؛ قال: فاستعظمت ذلك منه واستقبحته له فأتيت الجنيد وأخبرته فقال لي: لا يعظم هذا عليك فإن النوري لم يسأل الناس إلا ليعطيهم سؤلهم في الآخرة فيؤجرون من حيث لا يضره، وقول الجنيد ليعطيهم كقول بعضهم (اليد العليا) يد الآخذ لأنه يعطي الثواب، قال: ثم قال الجنيد هات الميزان فوزن مائة درهم ثم قبض قبضة فألقاها على المائة ثم قال احملها إليه فقلت في نفسي إنما يزن ليعرف مقدارها فكيف خلط المجهول بالموزون وهو رجل حكيم واستحييت أن أسأله فذهبت بالصرة إلى النوري فقال: هات الميزان فوزن مائة درهم وقال: ردها وقل له أنا لا أقبل منك شيئًا وأخذ ما زاد على المائة قال: فزاد تعجبي فسألته عن ذلك، فقال: الجنيد رجل حكيم يريد أن يأخذ الحبل بطرفيه وزن المائة لنفسه طلبًا للثواب وطرح عليها قبضة بلا وزن لله فأخذت ما كان لله ورددت ما جعله لنفسه، قال: فرددتها على الجنيد فبكى وقال: أخذ ما له ورد ما لنا.
وسمعت أن الشيخ عبد القادر رحمه الله بعث إلي شخص وقال: لفلان طعام وذهب ائتني من ذلك بكذا ذهبًا وكذا
طعامًا، فقال الرجل: كيف أتصرف في وديعة عندي ولو استفتيتك ما أفتيتني بالتصرف؟ فألزمه الشيخ بذلك فأحسن الظن بالشيخ وجاء إليه بالذي طلب، فلما وقع التصرف منه جاءه مكتوب من صاحب الوديعة وهو غائب في بعض نواحي العراق أن احمل إلى الشيخ عبد القادر كذا وكذا وهو القدر الذي عينه الشيخ عبد القادر، فعاتبه الشيخ بعد ذلك على توقفه وقال ظننت بالفقراء أن إشاراتهم تكون على غير صحة وعلم.
فالعبد إذا صح مع الله تعالى وأفنى هواه متطلبًا رضا الله تعالى يرفع الله عن باطنه هموم الدنيا ويجعل الغنى في قلبه ويفتح عليه أبواب الرفق، وكل الهموم المتسلطة على بعض الفقراء لكون قلوبهم ما استكملت الشغل بالله والاهتمام برعاية حقائق العبودية، فعلى قدر ما خلت من الهم بالله ابتليت بهم الدنيا، ولو امتلأت من هم الله ما عذبت بهموم الدنيا وقنعت وارتقت.
وقيل لأبي يزيد: ما نراك تشتغل بكسب فمن أين معاشك؟ فقال: مولاي يرزق الكلب والخنزير تراه لا يرزق أبا يزيد؟
قال السلمي: سمعت أبا عبد الله الرازي يقول: سمعت مظفرًا القرميسني يقول: الفقير الذي لا يكون له إلى الله حاجة.
وقيل لبعضهم: ما الفقر؟ قال: وقوف الحاجة على القلب ومحوها من كل أحد سوى الرب.