وذكر أن الروح إذا تحركت انقدح من جوهرها نور ساطع يظهر من ذلك النور في القلب همة عالية بأحد معان ثلاثة: إما بفرض أمر به، أو بفضل ندب إليه، وإما بمباح يعود صلاحه إليه، وهذا الكلام يدل على أن حركتي الروح والنفس هما الموجبتان للمتين. وعندي والله أعلم أن اللمتين يتقدمان على حركة الروح والنفس، فحركة الروح من لمة الملك، والهمة العالية من حركة الروح، وهذه الحركة من الروح ببركة لمة الملك. وحركة النفس من لمة الشيطان ومن حركة النفس الهمة الدنيئة، وهي من شؤم لمة الشيطان. فإذا وردت اللمتان ظهرت الحركتان وظهر سر العطاء والابتلاء من معط كريم وميل حكيم. وقد تكون هاتان اللمتان متداركتين وينمحي أثر إحداهما بالأخرى.
والمتفطن المتيقظ ينفتح عليه بمطالعة وجود هذه الآثار في ذاته باب أنس، ويبقى أبدًا متفقدًا حاله مطالعًا آثار اللمتين.
وذكر خاطر خامس: وهو خاطر العقل متوسط بين الخواطر الأربعة، يكون مع النفس والعدوّ لوجود التمييز وإثبات الحجة على العبد، ليدخل العبد في الشيء بوجود عقل، إذ لو فقد العقل سقط العقاب والعتاب، وقد يكون مع الملك والروح ليوقع الفعل مختارًا ويستوجب به الثواب.
وذكر خاطر سادس: وهو خاطر اليقين، وهو روح الإيمان ومزيد العلم، ولا يبعد أن يقال: الخاطر السادس وهو خاطر اليقين حاصله راجع إلى ما يريد من خاطر الحق وخاطر العقل أصله تارة من خاطر الملك، وتارة من خاطر النفس، وليس من العقل خاطر على الاستقلال، لأن العقل كما ذكرنا غريزة يتهيأ بها إدراك العلوم ويتهيأ بها الانجذاب إلى دواعي النفس تارة وإلى دواعي الملك تارة، وإلى دواعي الروح تارة وإلى دواعي الشيطان تارة فعلى هذا لا تزيد الخواطر على أربعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلّم لم يذكر غير اللمتين، وهاتان اللمتان هما الأصل، والخاطران الآخران فرع عليهما، لأن لمة الملك إذا حركت الروح واهتزت الروح بالهمة الصالحة قربت أن تهتز بالهمة الصالحة إلى حظائر القرب، فورد عليه عند ذلك خواطر من الحق، وإذا تحقق بالقرب يتحقق بالفناء، فتثبت الخواطر الربانية عند ذلك، كما ذكرناه من قبل لموضع قربه، فيكون أصل خواطر الحق لمة الشيطان إذا حركت النفس بجبلتها إلى مركزها من الغريزة والطبع، فظهر منها لحركتها خواطر ملائمة لغريزتها وطبيعتها وهواها، فصارت خواطر النفس نتيجة لمة الشيطان؛ فأصلها لمتان وينتجان أخريين، وخاطر اليقين والعقل مندرج فيهما. والله أعلم.