فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 148

وقد ورد في الخبر: «إن أحبكم إلى الله الذين يألفون ويؤلفون فالمؤمن [[آلف مألوف]

وفي هذا دقيقة: وهي أنه ليس من اختار العزلة والوحدة لله يذهب عنه هذا الوصف فلا يكون إلفًا مألوفًا، فإن هذه الإشارة من رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى الخلق الجبلي، وهذا الخلق يكمل في كل من كان أتم معرفة ويقينًا وأوزن عقلًا وأتم أهلية واستعدادًا، وكان أوفر الناس حظًا من هذا الوصف: الأنبياء ثم الأولياء، وأتم الجميع في هذا: نبينا صلوات الله عليه، وكل من كان من الأنبياء أتم إلفة كان أكثر تبعًا، ونبينا كان أكثرهم إلفة وأكثرهم تبعًا، وقال: «تَنَاكَحُوا تَكْثُرُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ» وقد نبه الله تعالى على هذا الوصف من رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} (آل عمران: الآية 159) وإنما طلب العزلة مع وجود هذا الوصف، ومن كان هذا الوصف فيه أقوى وأتم طلب العزلة فيه أكثر في الابتداء، ولهذا المعنى حبب إلى رسول الله الخلوة في أول أمره، وكان يخلو في غار حراء ويتحنث الليالي ذوات العدد، وطلب العزلة لا يسلب وصف كونه آلفًا مألوفًا، وقد غلط في هذا قوم ظنوا أن العزلة تسلب هذا الوصف فتركوا العزلة طلبًا لهذه الفضيلة، وهذا خطأ وسر طلب العزلة لمن هذا الوصف فيه أتم من الأنبياء، ثم الأمثل ما أسلفنا في أول الباب: أن في الإنسان ميلًا إلى الجنس بالوصف الأعم، فلما علم الحذاق ذلك ألهمهم الله تعالى محبة الخلوة والعزلة لتصفية النفس عن الميل بالوصف الأعم لترتقي الهمم العالية عن ميل الطباع إلى تألف الأرواح؛ فإذا وفوا التصفية حقها اشرأبت الأرواح إلى جنسها بالتألف الأصلي الأولى، وأعادها الله تعالى إلى الخلق ومخالطتهم مصفاة، واستنارت النفوس الطاهرة بأنوار الأرواح، وظهرت صفة الجبلة من الألفة المكملة آلفة مألوفة، فصارت الألفة من أهم الأمور عند من يألف فيؤلف. ومن أدل الدليل على أن الذي اعتزل مألوف حتى يذهب الغلط عن الذي غلط في ذلك وذم العزلة على الإطلاق من غير علم بحقيقة الصحبة وحقيقة العزلة، فصارت العزلة مرغوبًا فيها في وقتها، والصحبة مرغوبًا فيها في وقتها.

قال محمد بن الحنفية رحمه الله: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدًّا حتى يجعل الله له منه فرجًا.

وكان بشر بن الحارث يقول: إذا قصر العبد في طاعة الله سلبه الله تعالى من يؤنسه، فالأنيس يهيئه الله للصادقين رفقًا من الله تعالى وثوابًا للعبد معجلًا، والأنيس قد يكون مفيدًا كالمشايخ وقد يكون مستفيدًا كالمريدين، فصحيح الخلوة والعزلة لا يترك من غير أنيس، فإن كان قاصرًا يؤنسه الله بمن يتم حاله به، وإن كان غير قاصر يقيض الله تعالى من يؤنسه من المريدين، وهذا الأنس ليس فيه ميل بالوصف الأعم بل هو بالله ومن الله وفي الله.

قال علي بن سهل: الأنس بالله تعالى أن تستوحش من الخلق إلا من أهل ولاية الله؛ فإن الأنس بأهله ولاية الله هو الأنس بالله.

وقد نبه القائل نظمًا على حقيقة جامعة لمعاني الصحبة والخلوة وفائدتهما وما يحذر فيهما بقوله:

وحدة الإنسان خيرٌ ... من جليس السوء عندهْ

وجليس الخير خيرٌ ... من قعود المرء وحدهْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت