قلت: وقد أكثر حجة الإسلام الغزالي وغيره من تفصيل الكلام على الروح والعقل والنفس في كتابه الإحياء بما فيه مقنع وليس من باب السؤال عن الروح المنهي عنه ولا من باب الخوض في ماهية الروح الذي استأثر الله بعلم حقيقته. فقال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} وإنما ذلك من باب التعريف بالنفس المشار إليها بقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطُ} وفي الحديث من عرف نفسه فقد عرف ربه، ومعناه إن تعرف نفسك بالفقر والضعف والعجز والذلة فحينئذٍ تعرف ربك يالغنى والقوة والقدرة والعزة وقوله: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} .
وما أظن المنهي عنه من ذلك إلا السؤال عن الكيفية والكمية والأبنية ونسبة صفات الإلهية إلى صفات البشرية، على أن العلماء في جميع الأعصار والأمصار قد أكثروا في الكلام على تفصيل ذلك. قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم قال المازري: الكلام في الروح والنفس مما يغمض ويدق ومع هذا فأكثرَ الناس فيه الكلام وألقوا فيه التآليف، قال الإمام أبو الحسن الأشعري هو النفَس الداخل والخارج، وقال الباقلاني: هو متردد بين هذا الذي قال الأشعري وبين الحياة، وقيل: هو جسم لطيف مشارك للأجسام الظاهرة والأعضاء الظاهرة، وقال بعضهم: لا يعلم الروح إلا الله تعالى لقوله تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} وقال الجمهور: هي معلومة واختلفوا فيها على هذه الأقوال، وقبل غير ذلك.
ثم قال النووي: وليس في الآية دليل على أنها لا تعلم ولا أن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يكن يعلمها وإنما أجاب بما في الآية لأنه كان عندهم أنه إن أجاب بتفسير الروح فليس بنبي، وفي الروح لغتان التذكير والتأنيث انتهى من شرح صحيح مسلم.