(رفع الصوت بالذكر وخفضه)
قلت: وقد اختلف العلماء في رفع الصوت بالذكر وخفضه أيهما أفضل. فرجح قوم السر بالذكر وقد سمعت ما مر في هذا الحديث وما قاله النووي في تفسيره من الإشارة إلى فضيلة الخفض بالذكر والخفية. وقوله تعالى: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} . وقوله تعالى: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْغَافِلِينَ} . ولقوله صلى الله عليه وسلّم بفضل الذكر الخفي على الذي تسمعه الحفظة بسبعين ضعفًا ولما صح أنه قيل لابن مسعود رضي الله عنه: إن قومًا اجتمعوا في المسجد يهللون ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلّم ويرفعون الأصوات فذهب إليهم ابن مسعود رضي الله عنه وقال: ما عهدنا هذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلّم وما أراكم إلا مبتدعين فما زال يذكر ذلك حتى أخرجهم من المسجد.
ورجح قوم الجهر بالذكر وحجتهم أقوى ودلائلهم أظهر لأن الجهر بالذكر هو أصل إقامة شعار الإسلام منار الدين ونصر الأعلام ومنه الأذان لكل فريضة وتكبيرة الإحرام التي هي مفتاح الصلوات وتكبيرات الانتقالات فيها والتكبير المسنون على كل شرف وإقامة مناسك الحج بالتلبية والتكبير وضجيج الحجيج بالعجيج والثجيج.
وكذلك قراءة القرآن فالأفضل فيها الجهر لأن الجهر به في الصلوات إنما شرع حين يسكن الخلق في ظلام الليل وهي المغرب والعشاء والصبح، وآمين من الإمام والمأمومين بعد تمام الفاتحة بالجهر واستعمال مقام المذكِّرين والمؤذنين في مكة شرفها الله تعالى والاستغفار بالأسحار خصوصًا إذا قال صاحب زمزم يا أرحم الراحمين وضجت أرجاء مكة شرفها الله بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وقام الذين هم محسنون الذين هم من الليل ما يهجمون وبالأسحار هم يستغفرون من أدل الدلائل على أفضلية الجهر بالذكر لله وفحوى قوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}
وقوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} الشكر إظهار الشيء والكفر إخفاؤه وذلك يعطي أن المراد الجهر بذكر الله وإشاعته وإذاعته.
وفي الحديث وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه.
وحديث لا أحب أحب إليه المدح من الله والمدح لا يكون إلا جهرًا قال الشاعر: