(تفضيل الطين على النار)
قال محمد بن جرير: ظن الخبيث أن النار خير من الطين ولم يعلم أن الفضل لما جعل له الفضل وقد فضل الله تعالى الطين على النار.
وقال الحكماء للطين فضل على النار من وجوه منها أن جوهر الطين الرزانة والوقار والحلم والصبر وهو الداعي لآدم بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع فأورثته الاجتباه والتوبة والهداية، ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والارتفاع وهو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار فأورثته اللعنة والشقاوة، ولأن الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفرقها، ولأن التراب سبب الحياة فإن حياة النبات والأشجار به. والنار سبب الهلاك فلما صدرت منه هذه الكبائر العظام طرد ومقت وسلب ما كان فيه من الخدمة والتعريف وأخرج عن حضرة الله سبحانه وتعالى فهبط إلى الأرض وسكن البحر ووضع له سريرًا وكرسيًا يتشبه بالحق جل شأنه ويصعد إلى السماوات والعالم العلوي متجسسًا متفقدًا ولما أخرجه الله سبحانه وتعالى من عبودية التخصيص طلب من الحق جل شأنه الإنظار وطول الإمهال والإعمار في دار الخراب والغيار والزوال من غير استقرار كما قال في كتابه الكريم: {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} فأجابه الكريم سبحانه وتعالى إلى مطلوبه وأعطاه عمرًا إلى فناء الدنيا وجعله إمامًا للشرور ثم كان منه ما كان من إغوائه لآدم وحواء عليهما السلام وذلك بتقدير الله ثم أخرج الله الجميع إلى الأرض وقال: {اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} .