فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 165

{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا(79)}

(حديث الشفاعة)

وأما حديث الشفاعة فهي المقام المحمود لنبينا صلى الله عليه وسلّم المشار إليه بقوله تعالى: {وَمِنَ الْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} وهو ما رواه الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم في دعوة فقدمت إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة وقال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة هل تدرون قيم ذاك، يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فينظرهم الناظر ويسمعهم الداعي وتدنو منهم الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه ألا تنظرون إلي من يتشفع لكم إلى ربكم فيقول بعض الناس لبعض: آدم فيأتون فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك جنته ألا تشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه وما لقينا فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت «نفسي نفسي» اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبداً شكوراً أما ترى إلى ما نحن فيه وما بلغنا ثم يطلبون منه الشفاعة في فصل القضاء بينهم فيقول: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغصب بعده مثله وإني قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي «نفسي نفسي» اذهبوا إلى غيري دعوت دعوة أغرقت بها أهل الأرض وإني أستحي من الله أن أسأله في مثل هذا ولكن انطلقوا إلى إبراهيم خليل الرحمن هو سماكم المسلمين من قبل فلعله أن يشفع لكم. فيتشاورون فيما بينهم قدر ألف عام، ثم يأتون إبراهيم عليه الصلاة والسلام. فيقولون: يا إبراهيم يا أبا المسلمين الذي اتخذك الله خليلاً فاشفع لنا إلى الله تعالى بفصل القضاء فيما بين الحليقة فيقول لهم: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد كنت كذبت في الإسلام ثلاث كذبات جادلت بهن عن دين الله تعالى فأنا أستحي من الله تعالى أن أسأله الشفاعة في مثل هذا المقام. ولكن اذهبوا إلى موسى عليه السلام فإن الله تعالى اتخذه كليماً وقربه نجياً فعسى أن يشفع لكم فيتشاورون بينهم ألف عام والحال يزداد شدة والموقف يغص بأهله فيأتون موسى عليه السلام فيقولون له: يا موسى بن عمران أنت الذي اتخذك الله كليماً وقربك نجياً وأنزل عليك التوراة فاشفع لنا إلى ربك في فصل القضاء فقد طال المقام واشتد الزحام وتزلزلت الأقدام وتأذى أهل الكفر والإسلام من طول المقام فيقول لهم موسى عليه السلام: إني سألت الله تعالى أن يأخذ آل فرعون بالسنين وأن يجعلهم مثلاً للآخرين فأنا أستحيي من الله تعالى أن أسأله الشفاعة في مثل هذا المقام مع أسباب جرت بيني وبينه في المناجاة يلوح منها تعريض الهلاك إلا أنه ذو رحمة واسعة ورب غفور. ولكن اذهبوا إلى عيسى عليه السلام فإنه أصح الرسل يقيناً وأكثرهم معرفة بالله تعالى وأشدهم زهداً وأبلغهم حكمة فلعله أن يشفع لكم فيتشاورون فيما بينهم قدر ألف عام والحال يزداد شدة الموقف والموقف يزداد تضييقاً. فيأتون عيسى عليه السلام فيقولون: أنت روح الله وكلمته وأنت الذي سماك الله وجيهاً في الدنيا والآخرة اشفع لنا إلى ربك في فصل القضاء فيقول لهم: إني اتخذت وأمي إلهين من دون الله فكيف أشفع عند من عُبِدت معه وسميت له ابناً وسمي لي أباً. ولكن أرأيتم لو كان لأحدكم كيس فيه نفقة وعليه خاتم أيقدر أن يبلغ إلى ما في الكيس حتى يفض الخاتم قالوا: نعم فقال: ألا اذهبوا إلى سيد المرسلين وخاتم النبيين أخي العرب فإنه أخر دعوته شفاعة لأمته صلى الله عليه وسلّم وأكثر ما آذاه قومه حتى شجوا جبينه وكسروا رباعيته وبالغوا في أذيته وإنه لأحسنهم فخاراً وأكثرهم شرفاً وهو يقال كما يقول الصِّديق لإخوته لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين وجعل يتلو عليهم من فضائله صلى الله عليه وسلّم ما لم تحصره آذانهم حتى امتلأت نفوسهم حرصاً على الذهاب إليه حتى أتوا منبره صلى الله عليه وسلّم وقالوا: أنت حبيب الله والحبيب أوجه الوسائط أشفع لنا إلى الله تعالى فقد ذهبنا إلى أبينا آدم فأحالنا على نوح وذهبنا إلى نوح فأحالنا على إبراهيم وذهبنا إلى إبراهيم فأحالنا على موسى وذهبنا إلى موسى فأحالنا على عيسى وذهبنا إلى عيسى فأحالنا عليك وليس بعدك مطلب ولا عنك مهرب فيقول صلى الله عليه وسلّم (أنا لها) حتى يأذن لمن يشاء ويرضى ثم ينطلق إلى سرادقات الجلال فيستأذن فيؤذن له ثم يرفع الحجاب ويلج العرش ويخر ساجداً يمكث في سجوده ما شاء الله تعالى يحمد الله تعالى بمحامد ما حمده بها أحد قط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت