(مبحث الروح)
وقد روى الشيخان والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم ينفر من يهود فقال بعضهم: سلوه عن الروح وقال بعضهم: لا تسألوه لئلا يسمعكم ما تكرهون فقالوا له: يا أبا القاسم حدثنا عن الروح فقام ساعة ينظر فعرفت أنه يوحى إليه. ثم قال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} .
وفي رواية الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قالوا: أوتينا علماً كثيراً وأوتينا التوراة ومن أوتي التوراة فقد أوتي علماً كثيراً. فنزلت {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} الآية.
وعن علي وابن عباس رضي الله عنهما أن الروح ملك له سبعون ألف وجه لكل وجه سبعون ألف لسان لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله بتلك للغات كلها. يخلق الله جل وعلا من كل تسبيحة ملكاً يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة.
وعن الحسن أن الروح القرآن ويشهد له قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} ومعنى من أمر ربي أي: من وحيه. وعن جماعة من المفسرين أن الروح هي التي يحيا بها الحيوان.
وعن علي بن عيسى الروح جسم رقيق هوائي من كل جزء من الحيوان قال: فكل حيوان روح وبدن.
وقال النووي في كتابه: المجموع قال أصحابنا المتكلمون الروح تذكر وتؤنث وهي أجسام لطيفة. وقال الشيخ جلال الدين السيوطي: الروح من علم الله الذي لا نعلمه فالإمساك عن تعريفها أوله لقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} الآية.
وقال الشيخ تاج الدين السبكي في جمع الجوامع والروح لم يتكلم عليها محمد صلى الله عليه وسلّم فنمسك عنها اهـ.
وفي كتاب ذكر الموت وما بعده من الإحياء عند ذكر حقيقة الموت. قال الإمام الغزالي فيه أعلم أنه لا يمكن كشف الغطاء عن كنه حقيقة الموت إذ لا يعرف الموت من لا يعرف الحياة، ومعرفة الحياة بمعرفة حقيقة الروح في نفسها وإدراك ماهية ذاتها ولم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يتكلم فيها ولا أن يزيد على أن يقول ما قيل له: قل الروح من أمر ربي فليس لأحد من علماء الدين أن يكشف عن سر الروح وإن اطلع عليه. وإنما المأذون فيه ذكر حال الروح بعد الموت إلى آخر ما ذكره الغزالي في كتابه الإحياء.