ومن فضائل التسبيح ما حكاه الإمام اليافعي في كتابه: (روض الرياحين) . (الحكاية السابعة بعد المائة) حكي أن سليمان بن داود عليهما السلام ركب في موكبه والطير تظله والدواب والوحوش والأنعام والإنس وسائر المخلوقات عن يمينه وشماله فمرّ على عابد من عباد بني إسرائيل فقال ذلك العابد: والله لقد أوتي سليمان ملكاً عظيماً فسمع ذلك سليمان عليه السلام: فقال: التسبيحة في صحيفة مؤمن خير مما أعطي سليمان فإن الملك يفنى ويذهب والتسبيحة تبقى وتكتب اهـ.
قلت: ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلّم إن لله عباداً التسبيحة من أحدهم مثل جبل أحُد
وقد كان يونس بن عبيد يقول: من لم تكن عنده تسبيحة أو تهليلة واحدة خيراً من الدنيا بأسرها فهو ممن آثر دنياه على آخرته.
وقال بعضهم: كنا نجالس عثمان البتي فلما مات رأيته في المنام قلت: كيف رأيت ما كنا فيه؟ قال باطل لم أجد خيراً من سبحان الله والحمد لا إله إلا الله ولا إله إلا الله والله أكبر.
ورأى بعض المشايخ الخليل بن أحمد فقال ما حالك؟ فقال: لم أجد شيئاً في الآخرة أنفع من قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وفي رواية قال علي بن نصر رأيت الخليل بن أحمد في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي فقلت: بم نجوت؟ قال: بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قلت: كيف وجدت علمك أعني العروض والأدب والشعر؟ قال: وجدته هباء منثوراً.
وكان بعض السلف إذا سمع السائل يقول: من يقرض الله قرضاً حسناً. قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هذا القرض الحسن.
(تفسير حجة الإسلام للباقيات الصالحات)
قال الإمام حجة الإسلام. ومن أفضل الذكر قولك: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لأن قولك سبحان الله للتقديس وهو حقيقي في حقه فإن القدس الحقيقي لا يتصور إلا له تعالى، وقولك الحمد لله يشعر بإضافة النعم كلها إليه وهو حقيقي إذ هو المنفرد بالأفعال كلها تفرداً حقيقياً بلا تأويل وهو مستوجب للحمد وحده إذ لا شركة لأحد معه في فعله أصلاً البتة كما لا شركة للقلم مع الكاتب في استحقاق المحمدة عند حسن الخط، وقال اعلم أن كل ما سواه ممن ترى منه نعمة المسخر له كالقلم وهذا مثال ينبهك على تفرده تعالى باستحقاق الحمد، وقولك: لا إله إلا الله وقد عرفته أنه للتوحيد الحقيقي، وقولك: الله أكبر فليس المعنى أنه أكبر من غيره إذ ليس معه غيره حتى يقال: إنه أكبر منه بل كل ما سواه فهو نور من أنوار قدرته وليس لنور الشمس مع الشمس رتبة المعية. حتى يقال: إنها أكبر منه بل معناه أنه أكبر من أن ينال بالحواس ويدرك جلاله بالعقل والقياس بل أكبر من أن يدرك كنه جلاله غيره بل أكبر من أن يعرفه غيره فإنه لا يعرف الله إلا الله وأن منتهى معرفة عباده أن يعرفوا أنه تستحيل منهم معرفته الحقيقية ولا يعرف ذلك بكماله أيضاً إلا نبي أو صديق.
أما النبي فيعبر عنه فيقول: لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. وأما الصديق فيقول: العجز عن درك الإدراك إدراك. قال: وإن تشوفت إلى زيادة تحقيق في هذا المعنى واستنكرت قولي لا يعرف الله إلا الله فاطلب معرفة حقيقة البرهان من كتاب المقصد الأسنى في معاني أسماء الله الحسنى ويكفيك الآن هذا القدر من الرموز إلى أسرار الذكر انتهى ما ذكره الإمام نفع الله به.