قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ويتفرع من هنا مسألة، وهو ما إذا كان لا يتأتى له فعل الحسنة الراجحة، إلا بسيئة دونها في العقاب، فلها صورتان، إحداهما إذا لم يمكن إلا ذلك، فهنا لا يبقى سيئة، فإن ما لا يتم الواجب أو المستحب إلا به فهو واجب أو مستحب، ثم إن كان مفسدته دون تلك المصلحة لم يكن محظورا، كأكل الميتة للمضطر، ونحو ذلك من الأمور المحظورة التي تبيحها الحاجات، كلبس الحرير في البرد، ونحو ذلك.
وهذا باب عظيم، فإن كثيرا من الناس يستشعر سوء الفعل ولا ينظر إلى الحاجة المعارضة له التي يحصل بها من ثواب الحسنة ما يربى على ذلك، بحيث يصير المحظور مندرجا في المحبوب، أو يصير مباحا إذا لم يعارضه إلا مجرد الحاجة، كما أن من الأمور المباحة، بل والمأمور بها إيجابا أو استحبابا ما يعارضها مفسدة راجحة، تجعلها محرمة أو مرجوحة، كالصيام للمريض، وكالطهارة بالماء لمن يخاف عليه الموت، كما قال: (قتلوه قتلهم الله هلا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العيّ السؤال) ، وعلى هذا الأصل يبنى جواز العدول -أحيانا- عن بعض سنة الخلفاء، كما يجوز ترك بعض واجبات الشريعة، وارتكاب بعض محظوراتها للضرورة، وذلك فيما إذا وقع العجز عن بعض سنتهم، أو وقعت الضرورة إلى بعض ما نهوا عنه، بأن تكون الواجبات المقصودة بالإمارة لا تقوم إلا بما مضرته أقل. انتهى) [1] .
قال ابن القيم: (فكل مأمور به فهو راجح المصلحة على تركه، وإن كان مكروها للنفوس، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216] ، فبيّن أن الجهاد الذي أمروا به، وإن كان مكروها للنفوس شاقا عليها فمصلحته راجحة، وهو خير لهم، وأحمد عاقبة، وأعظم فائدة من التقاعد عنه، وإيثار البقاء والراحة، فالشر الذي فيه مغمور بالنسبة إلى ما تضمنه من الخير، وهكذا كل منهي عنه فهو راجح المفسدة، وإن كان محبوبا للنفوس، موافقا للهوى، فمضرته ومفسدته أعظم مما فيه من المنفعة، وتلك المنفعة واللّذة مغمورة
(1) - الفتاوى (35/ 29) .