فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 98

المناط الرابع

(طَلَبُ الشَّهَادَةِ)

طلب الشهادة مناط مستقل بذاته (مستقل بالتأثير ووصف النكاية حاصل, ولكن بالتبع له) في تحرير القول في العمليات الاستشهادية، والأدلة تكاثرت بالأمر به، والترغيب فيه، والتحريض عليه، والإشارة إلى عاقبته، وبيان فضله، وتنوعت الأدلة في التدليل على ذلك، فالنصوص التي ذكرت الشهادة وحضت عليها، يفهم منها أن للمسلم أن يطلب الشهادة.

والطالب لا يكون طالبا إلا إذا طلب بصدق، وعزم على طلبه, وأيده بفعل التعرض لأسباب الشهادة لينالها، ولا حرج على المسلم أن يكون طلب الشهادة من أولويات مقاصده، ويتبعه بنيّة النكاية، أو تحصيل مصالح معينة، كما سيأتي في الأدلة التي سنعرض لها، ومثله ما جاء في القتال حتى الموت، ومثله ما جاء في تمني الشهادة، فكلها تؤكد استقلال معنى الاستشهاد كفاعل في عمليات الانغماس، وتبين أن هذا المعنى ليس غريبا عن البنية العقائدية المتأصلة في قلب المسلم، والتي يعلوها التوحيد كصاحب حق متفرد في هذا القلب، فمصالح التوحيد هي العليا وحقوقه فوق كل حق، والبذل من أجل التوحيد من أغلى البذل وأثمنه، ومن أجل هذا وضع طريق الاستشهاد، طريقا تقدم فيه الشهادات والبراهين على صدق الدعاوى، وتمتحن فيه القلوب، وتمحص الصدور، ليخلص ذهب التوحيد، وينفث القلب عنه خبث الشرك والنفاق:

{قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: من الآية154] .

و مثل هذا الامتحان جرى مع أبي الملّة، وإمام الحنيفية، إبراهيم عليه السلام، إذ ابتلي ببذل عزيز عليه، ابتلي بذبح مهجة القلب، إعزازا للتوحيد، وتقديما لقربان السمع والطاعة، وامتثالا لمنهج الأمر والنهي {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} ، ثَمّ تعلو هذه الكلمة في قلوب أتباع الملة الحنيفية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت